الجليب، وروح المدينة
مصنف فى :مقالات
القرارات البلدية تشكّل روح المدينة. والمدن الذكية مبنية على التعاطف؛ تحافظ على النظام من خلال التنظيم والتواصل القوي مع المجتمعات، وتقدم بدائل داعمة وتطبّق تدخلات دقيقة قائمة على البيانات. لذلك، ما يحدث في جليب الشيوخ هذه الأيام ذو أهمية كبيرة ويستدعي الانتباه.
المدن تبنى على التراحم، و البلديات الذكية تدرس الخطوات وتعرف كيف تجري التدخلات الناعمة، وتوفر البدائل وتستمع للسكان، وفي نفس الوقت، تضع القوانين و الانظمة وتطبقها. فعلينا أن ندرك، بأن الانتقال للقانون متجذر بالثقة، أما الرهبة فلا تقود إلى إلى تصدير المشاكل أو خلق مشكلات جديدة.
خلال الأسبوعين الماضيين، أطلقت مجموعة من المؤسسات الحكومية حملة في منطقة (جليب الشيوخ)، وهي منطقة مكتظة بالسكان ومعروفة بإيواء العمّال من ذوي الدخل المنخفض، وبكثرة مخالفات البناء وغيرها من التعديات. وكما أوردت الصحف، فإن الحملة استهدفت أكثر من 1000 مبنى، ونتج عنها إخلاء أعداد كبيرة من السكان، مما أدى لظروف صعبة لفئة ضعيفة من فئات المجتمع.
يرى المسئولون بأن الحالة المتدهورة للمنطقة هو نتاج عقود من الإهمال، والنمو الغير منظم، حيث قام الملاّك بتقسيم المنازل المخصصة لأسرة واحدة، إلى مساكن تضم كثافة عالية من العمّال. مما قاد لآثار سلبية على الخدمات والبنى التحتية ويؤدي لمخاطر على الأمن والسلامة. وقد آن الأوان لإيجاد حلول سريعة لهذه الظاهرة الفاسدة.
وعلى الرغم من صحة تشخيص الجهات الرسمية، إلا أن تدخلاً بهذا الحجم يتطلب تخطيطاً أعمق ينظر للمشكلة بشكل موسّع ومن كل الجوانب. مع مراعاة أن مدناً عديدة حول العالم واجهت مشاكل مشابهة، بل ربما أكثر تعيداً، ونجحت في حلها.
تمتلك الكويت أدوات دقيقة يمكنها أن تعالج الموضوع باحترافية ونعومة وإنسانية. فقد كان الأجدر بنا النظر للصورة الكبيرة، وأن ندرس كيف يمكن للمنطقة الحضرية أن تستوعب إسكان العمالة المنخفضة الأجور بشكل انساني وعملي متوازن. فالتخطيط الحكيم يفضّل عمليات التحسين على الهدم، ويعطي الأولوية للمحافظة على البنى التحتية والشبكات الاجتماعية، مع الأخذ بالاعتبار متطلبات الأمن والسلامة والكفاءة الهندسية.
فرغم كل ما نراه، لقد نجحت منطقة الجليب في جذب العمال، وإسكانهم، ووفرت موقعاً استراتيجياً في قلب الكويت، يوفر سكن ميسور للعامل البسيط، ووفرت إمكانية للوصول لمختلف المناطق في شمال الكويت وجنوبها. كما وفرت للسكّان بيئة مقبولة نسبياً، كانت حاضنة اجتماعية للمجتمعات، شملت على المطاعم والملاعب والمساجد. علاوة على الأسواق والمحلات والخدمات الرسمية والغير رسمية على حد سواء. ولذلك، فهي تمتلك مقومات، مكنتها من الصمود والعمل لعقود.
ولكن حين لا نجد بديل عن نقل البشر، كان الأجدر أن يتم إيجاد بدائل جيدة تأخذ بالاعتبار متطلبات الدولة والمجتمع، ولا تغفل أولويات العامل وحاجته. ومن ثم، علينا أن نسعى لوضع أنظمة تدمج مسئولية الشركات عن إسكان العمّال، تصاحب تراخيص العمل والإقامة. وأن نضع سياسات تشجع الاستثمار أو الانفاق حين لا يكون الاستثمار مجدٍ، في الاسكان الميسور للعمال. بالإضافة إلى اشراك المجتمع ككل في اتخاذ هكذا قرارات. علاوة على استخدام أدوات علمية ومدعمة بمعلومات موثوقة لمراقبة الالتزام الدائم بأنظمة البناء واشتراطات الأمن والسلامة.
أخيراً، ندعو إلى الحكمة والتراحم، فالتخطيط الحضري يتمحور حول البشر. وفرض القانون لا يعني سياسات المحو المجرّد، والسكن المخالف أو الكثيف لا يبرر الاخلاء والطرد المفاجئ، والذي يعرض الأفراد وأحياناً الأسر لظروف قاسية. فهذا العامل في كثير من الأحيان ليس سوى ضحية لفشل الأنظمة أو ضغط الظروف. ومنظر العمّال وهم يفترشون الطرقات وحولهم ما تمكنوا من حمله من أمتعه، أو وهم ينامون على أسطح المباني في قيض الصيف، مؤشر على فشل أخلاقي، لبلد طالما اعتز انه بلد الإنسانية والخير!
المدن تبنى على التراحم، والبلديات الذكية تدرس الخطوات وتعرف كيف تجري التدخلات الناعمة، وتوفر البدائل وتستمع للسكان، وفي نفس الوقت، تضع القوانين والانظمة وتطبقها. فعلينا أن ندرك، بأن الامتثال للقانون متجذر بالثقة، أما الرهبة فلا تقود إلا إلى تصدير المشاكل أو خلق مشكلات جديدة.