المعلمون بين عالمين لم يختاروهما
مصنف فى :مقالات
مع بداية كل يوم، يتوجه آلاف المعلمين إلى مدارسهم وكحال غالبية الكويتيين ينتقلون من منزلهم الذي منحتهم إياه الحكومة إلى وظيفتهم الحكومية. وفي السابع من أكتوبر الجاري أصدرت وزارة التربية قراراً بنقل أكثر من 8700 معلمٍ ومعلمة من أماكن عملهم المعتادة إلى مواقع مدارس أخرى بهدف تحقيق التوازن وسد العجز في بعض التخصصات. وقد أثار هذا القرار موجة احتجاجات من المعلمين والمواطنين. إلا أن هذا القرار وتبعاته يعبّران عن خلل أعمق في أسلوب التنمية الحضرية في دولة الكويت.
وأمام هذا التجاذب بين المعلمين والوزارة، نتساءل كيف استقر المعلم في مدرسة بذاتها، فغالبيتهم لم يختاروا مدارسهم كما لم يختر غالبية الكويتيين مواقع سكنهم. فنظام التوظيف الحكومي المركزي يوزع الوظائف حسب الشواغر السنوية ونظام الرعاية السكنية يحدد بشكل ما موقع السكن، من خلال المصادفة المتاحة والقرعة وذلك بعد سنوات من الانتظار، والتي تفضي في النهاية للحصول على مسكن على أطراف المنطقة الحضرية في المطلاع أو الخيران أو مدينة صباح الأحمد. فالفرصة تحدد أين يسكن الفرد وأين يعمل وبين هذا وذاك يعيش المتنقلون قسراً، ومنهم المعلم والمعلمة والذين يخسرون الساعات يومياً على الطرق السريعة، ومعهم الدولة التي تتحمل التكاليف الباهظة لصيانتها أو توسعتها.
ففي الأسواق المرنة ينتقل الناس للسكن بالقرب من أماكن عملهم، أو يبحثون عن عمل بالقرب من أماكن سكنهم. ولكن في الكويت فإن هذه الآلية الطبيعية معطلة. فالسكن غير ميسور والوظائف الحكومية جامدة وطلبات النقل نادراً ما تلقى قبولاً.
قد تكون قرارات الوزارة سليمة من الناحية الفنية، ولكن إجراءات الإصلاح يجب أن تراعي استشارة أصحاب الشأن، وأن تفسح المجال للتباحث والنظر. وإلا ستؤدي إلى الارباك والغبن، لا سيما في وقت كهذا، حيث تغيب الهيئات المهنية بموجب الحل، ومنها جمعية المعلمين.
الأماكن والمواقع ليست هامشية، فهي تعبر عن معاني العدالة وتؤثر في الإنتاجية ورفاه الأفراد والأسرة. وإن التقارب بين المسكن ومكان العمل ضرورة نفسية واجتماعية واقتصادية بل وبيئية. والسياسات الاسكانية في الكويت يجب أن تتجاوز مجرد توزيع القسائم والوحدات السكنية. كما أن التعيين في القطاع العام يجب أن يأخذ بالاعتبار مواقع سكن الأفراد، وتصميم الضواحي السكنية يجب أن يصمم حول وسائل النقل العام وحيث تكون المدارس والمتاجر وأماكن العمل في متناول المشاة. ومتى ما حققنا ذلك تصبح الطرق حيوية وتمكن المعلمين والمعلمات من الوصول إلى مدارسهم مفعمين بالطاقة التي يحتاجها طلبتهم.