أرشيف الوسم: الإسكان

إعادة التفكير فيمن يبني المجتمع

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 20 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 12 سبتمبر 2026
إعادة التفكير فيمن يبني المجتمع

في مؤتمر الإسكان والتنمية الحضرية، وخلال جلسة “مدن الكويت الجديدة: الاستثمار والتنمية وفرص الشراكة”، طُرح سؤال: كيف نـحقق التوازن بين العوائد التجارية والمرافق الاجتماعية؟

إن الفكرة الأساسية بسيطة، لكن غالباً ما يتم تجاهلها. فلا يمكن للحكومة، ولا ينبغي لها، أن تبقى المزود الوحيد لكل المرافق والخدمات الاجتماعية في مشهد حضري متنام في الكويت، لا سيما مع الوضع الاقتصادي والإقليمي المتغير. ومع توسع المدن الجديدة، سيتجاوز الطلب على الحدائق والمراكز المجتمعية والثقافية والبنية التحتية، ما يمكن لأي هيئة عامة واحدة تقديمه بمفردها. وإن تلبية هذا الطلب، يتطلب نظاماً يوزع المسؤولية على عدة جهات فاعلة. وقد اقترحت لذلك أربع مكونات:

 

أولا، يجب على مطوري العقارات العمل وفقاً لمتطلبات واضحة، وقابلة للتنفيذ لتوفير حصة محددة من المرافق الاجتماعية ضمن مشاريعهم، وألا يتم معاملة هذه المرافق والخدمات، كإضافات اختيارية يتم التفاوض عليها من مشروع لآخر. وتبقى المخاطرة هي دخول المطور العقاري دون وجود نظام تخطيط وتصميم للمدن، علاوة على عدم وجود كود شامل للمباني.

 

ثانيا، يجب تشجيع شركات العقارات التعاونية على المشاركة كمطورين عقارين. فالكويت لديها بالفعل معرفة ثقافية قوية بالنماذج التعاونية في قطاع التجزئة؛ وإن توسيع هذا المنطق إلى مجال تطوير العقارات، قد يفتح استثماراً مجتمعياً لا يميل المطورون العقاريون، من ذوي التوجه التجاري البحت إلى متابعته. وقد يسد ثغرة، ويقدم نموذجاً تنافسياً وبديلاً مفضلاً.

 

ثالثا، كما تستحق مؤسسات المجتمع المدني، والمنظمات غير الربحية، ومجموعات المتطوعين، دوراً حقيقياً ونشطاً في تشكيل المدن المستقبلية. إن هذه المجموعات تفهم احتياجات المجتمع بشكل أعمق من المؤسسات الحكومية، أو المطورين الخاصين، ويجب أن تكون مدمجة هيكلياً في عملية التخطيط وان يكون لها دور فاعل في توفير بعض الخدمات المجتمعية الضرورية لأي مجتمع فاعل وحي.

 

رابعا، وربما الأهم، دعوت إلى إعادة تفعيل نظام الوقف الإسلامي. فلدى منظومة الوقف سجل يمتد لقرون في دعم المدارس والمستشفيات والبنية التحتية والمساحات العامة في العالم الإسلامي، فهي ممولة وتدار بشكل مستقل عن ميزانيات الدولة. وإن تحديث هذه الأداة للتنمية الحضرية المعاصرة يمكن أن يوفر آلية متجذرة ثقافيا ومستدامة ماليا لتوفير البنية التحتية الاجتماعية على نطاق واسع.

 

إن تفعيل هذه الأدوات مجتمعة، يمكن أن يوفر نموذج مسؤولية مشتركة في التنمية الحضرية، حيث يتحمل القطاع الخاص والتعاونيات والمجتمع المدني والمؤسسات الإسلامية المتجددة جزءاً من العبء الذي يفرض حالياً بالكامل على عاتق الدولة. ومع تقدم الكويت في أجندة مدنها الجديدة، قد يكون هذا النوع من الشراكة المتعددة الطبقات ضرورياً لبناء مدن حديثة ومجتمعات حية في آنٍ واحد.

الجليب، وروح المدينة

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 283 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 23 يوليو 2026
الجليب، وروح المدينة

القرارات البلدية تشكّل روح المدينة. والمدن الذكية مبنية على التعاطف؛ تحافظ على النظام من خلال التنظيم والتواصل القوي مع المجتمعات، وتقدم بدائل داعمة وتطبّق تدخلات دقيقة قائمة على البيانات. لذلك، ما يحدث في جليب الشيوخ هذه الأيام ذو أهمية كبيرة ويستدعي الانتباه.

 

المدن تبنى على التراحم، و البلديات الذكية تدرس الخطوات وتعرف كيف تجري التدخلات الناعمة، وتوفر البدائل وتستمع للسكان، وفي نفس الوقت، تضع القوانين و الانظمة وتطبقها. فعلينا أن ندرك، بأن الانتقال للقانون متجذر بالثقة، أما الرهبة فلا تقود إلى إلى تصدير المشاكل أو خلق مشكلات جديدة.

 

خلال الأسبوعين الماضيين، أطلقت مجموعة من المؤسسات الحكومية حملة في منطقة (جليب الشيوخ)، وهي منطقة مكتظة بالسكان ومعروفة بإيواء العمّال من ذوي الدخل المنخفض، وبكثرة مخالفات البناء وغيرها من التعديات.  وكما أوردت الصحف، فإن الحملة استهدفت أكثر من 1000 مبنى، ونتج عنها إخلاء أعداد كبيرة من السكان، مما أدى لظروف صعبة لفئة ضعيفة من فئات المجتمع.

 

يرى المسئولون بأن الحالة المتدهورة للمنطقة هو نتاج عقود من الإهمال، والنمو الغير منظم، حيث قام الملاّك بتقسيم المنازل المخصصة لأسرة واحدة، إلى مساكن تضم كثافة عالية من العمّال. مما قاد لآثار سلبية على الخدمات والبنى التحتية ويؤدي لمخاطر على الأمن والسلامة. وقد آن الأوان لإيجاد حلول سريعة لهذه الظاهرة الفاسدة.

 

وعلى الرغم من صحة تشخيص الجهات الرسمية، إلا أن تدخلاً بهذا الحجم يتطلب تخطيطاً أعمق ينظر للمشكلة بشكل موسّع ومن كل الجوانب. مع مراعاة أن مدناً عديدة حول العالم واجهت مشاكل مشابهة، بل ربما أكثر تعيداً، ونجحت في حلها.

 

تمتلك الكويت أدوات دقيقة يمكنها أن تعالج الموضوع باحترافية ونعومة وإنسانية. فقد كان الأجدر بنا النظر للصورة الكبيرة، وأن ندرس كيف يمكن للمنطقة الحضرية أن تستوعب إسكان العمالة المنخفضة الأجور بشكل انساني وعملي متوازن. فالتخطيط الحكيم يفضّل عمليات التحسين على الهدم، ويعطي الأولوية للمحافظة على البنى التحتية والشبكات الاجتماعية، مع الأخذ بالاعتبار متطلبات الأمن والسلامة والكفاءة الهندسية.

 

فرغم كل ما نراه، لقد نجحت منطقة الجليب في جذب العمال، وإسكانهم، ووفرت موقعاً استراتيجياً في قلب الكويت، يوفر سكن ميسور للعامل البسيط، ووفرت إمكانية للوصول لمختلف المناطق في شمال الكويت وجنوبها. كما وفرت للسكّان بيئة مقبولة نسبياً، كانت حاضنة اجتماعية للمجتمعات، شملت على المطاعم والملاعب والمساجد. علاوة على الأسواق والمحلات والخدمات الرسمية والغير رسمية على حد سواء. ولذلك، فهي تمتلك مقومات، مكنتها من الصمود والعمل لعقود.

 

ولكن حين لا نجد بديل عن نقل البشر، كان الأجدر أن يتم إيجاد بدائل جيدة تأخذ بالاعتبار متطلبات الدولة والمجتمع، ولا تغفل أولويات العامل وحاجته. ومن ثم، علينا أن نسعى لوضع أنظمة تدمج مسئولية الشركات عن إسكان العمّال، تصاحب تراخيص العمل والإقامة. وأن نضع سياسات تشجع الاستثمار أو الانفاق حين لا يكون الاستثمار مجدٍ، في الاسكان الميسور للعمال.  بالإضافة إلى اشراك المجتمع ككل في اتخاذ هكذا قرارات. علاوة على استخدام أدوات علمية ومدعمة بمعلومات موثوقة لمراقبة الالتزام الدائم بأنظمة البناء واشتراطات الأمن والسلامة.

 

أخيراً، ندعو إلى الحكمة والتراحم، فالتخطيط الحضري يتمحور حول البشر. وفرض القانون لا يعني سياسات المحو المجرّد، والسكن المخالف أو الكثيف لا يبرر الاخلاء والطرد المفاجئ، والذي يعرض الأفراد وأحياناً الأسر لظروف قاسية. فهذا العامل في كثير من الأحيان ليس سوى ضحية لفشل الأنظمة أو ضغط الظروف. ومنظر العمّال وهم يفترشون الطرقات وحولهم ما تمكنوا من حمله من أمتعه، أو وهم ينامون على أسطح المباني في قيض الصيف، مؤشر على فشل أخلاقي، لبلد طالما اعتز انه بلد الإنسانية والخير!

 

المدن تبنى على التراحم، والبلديات الذكية تدرس الخطوات وتعرف كيف تجري التدخلات الناعمة، وتوفر البدائل وتستمع للسكان، وفي نفس الوقت، تضع القوانين والانظمة وتطبقها. فعلينا أن ندرك، بأن الامتثال للقانون متجذر بالثقة، أما الرهبة فلا تقود إلا إلى تصدير المشاكل أو خلق مشكلات جديدة.

عمارة الذاكرة والعدل

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 401 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 3 يوليو 2026
عمارة الذاكرة والعدل

من ناحية الذائقة المعمارية، ربما لا يروق لي النمط المعماري لقصر العدل في مدينة الكويت. لكن لا يمكن إنكار أنه أضحى معلماً معمارياً يحمل ثقلاً في الذاكرة الجماعية ويشكل أحد مكونات الهوية المكانية للمدينة. وهنا أستحضر المعماري الإيطالي ألدو روسي (1931-1997) وفكرته عن “القطعة الأثرية الحضرية”.

 

فقد كتب روسي: “العمارة في المدينة تعني شيئين مختلفين: أولاً، المدينة كجسم ضخم من صنع الإنسان، عمل هندسي معقد ينمو مع الزمن؛ ثانياً، جوانب محدودة لكنها جوهرية من المدينة، هي القطع الأثرية الحضرية.”

 

ويقدم روسي مفهوم “القطعة الأثرية الحضرية”والتي تشمل مبانٍ ومساحات تبقى عبر الزمن لا لميزة وظيفية، بل لأنها تركّز المعنى الجماعي وتصبح آثاراً لا يُستغنى عنها؛ كالمساجد والأسواق والساحات العامة، وهي عناصر مقاومة، تنجو من التغير الديموغرافي والاقتصادي وحتى الدمار المادي لأنها مراكز للهوية الجماعية. تتيح للمجتمع أن يتذكر من هو ومن أين جاء. ومفهوم روسي عن “الموقع” الذي يركّز الذاكرة الجماعية له صدى خاص في الخليج؛ فالأسواق التاريخية في الكويت، والبرايح القديمة في البحرين، وأبراج قرى الساحل القطري، مواقع تُرمَّز فيها هوية المجتمع مادياً. وقد مثّل تدميرها خلال حقبة تحضّر عصر النفط، دماراً للذاكرة الجماعية وتفكيكاً للبنية التحتية للهوية.

 

ويمثل قصر العدل في الكويت حالة اختبار دقيقة لنا. فقد صممه المعماري الأسكتلندي السير باسل سبنس، وافتُتح عام 1986 ضمن سياسة الدولة في الستينيات والسبعينيات لترسيخ حداثة معمارية ذات طابع كويتي! ونظراً لحجمه وموقعه وقيمته التاريخية، تفاعل معه الكويتيون في ظروف مختلفة، وزُيّنت به العملة الوطنية، واستقبل عقوداً من الذاكرة القانونية للدولة، فأصبح مركزاً لهوية جماعية تتجاوز وظيفته العملية.

 

غير أن وزارة العدل أعلنت مؤخراً قرار هدمه، وهو قرار يتجاوز كونه قرار إداري، إذ يمثل تفكيكاً متعمداً لأحد المراسي المكانية القليلة التي تربط المؤسسة القضائية الحديثة بتاريخها التأسيسي. والأخطر أن القرار يأتي في غياب رأي تقني على أن المبنى آيل للسقوط، كما يخالف المادة 12 من الدستور التي تُلزم الدولة بصون التراث، والمادة 17 التي تحمي المال العام، إذ يُقدَّر أن هدم مبنى تُقارب قيمته الحالية خمسين مليون دينار كويتي، إهداراً مباشراً لأملاك الدولة.

ومن منظور التنمية الحضرية، يكرّس هدم قصر العدل “ثقافة الهدم”، التي تختزل معالجة تقادم المباني في استبدالها بدلاً من صيانتها الدورية، رغم أن كلفة الصيانة أقل بكثير من كلفة الهدم وإعادة البناء، ورغم أن الاستبدال يفرّغ الموقع من طبقاته التاريخية.

من جهة أخرى، إذا كانت وزارة العدل ترى أن المبنى لم يعد عملياً، أو مفيداً لعملياتها الحالية، فيمكنها طرحه للاستثمار، وعلى أن يقوم القطاع الخاص بدراسة إعادة تأهيله لاستخدامات أخرى، فمكن أن يصبح فندقاً او سوقاً أو مقراً لبنك أو حتى متحفاً او مكتبة عامة !

وقرار الهدم يأتي في سياق سلسة من عمليات الهدم والتي تنسحب حتماً على مبانٍ حداثية أخرى من الحقبة نفسها، من مطار الكويت الذي صممه كنزو تانغو إلى مبنى البنك المركزي الذي صممه آرني ياكوبسن، وكلها قطع أثرية حضرية معرضة للمصير ذاته ما لم تُعتمد سياسة وطنية صريحة لحماية التراث المعماري الحديث.

الرفاهية الهشة: ملاحظات حضرية

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 550 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 22 مارس 2026
الرفاهية الهشة: ملاحظات حضرية

بعد واحد وعشرين يوما من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ومع استهداف الضربات الانتقامية الإيرانية لدول مجلس التعاون الخليجي، تستمر الحياة هنا بحالة طبيعية ومقلقة في ذات الوقت. صفارات الإنذار تدوي، والأخبار تدور، ومع ذلك تبقى الشوارع مشغولة والروتين كما هو. لكن ما تكشفه هذا اللحظة بهدوء هو حقيقة واحدة غير سارة، نــحن نعيش رفاهية هشة.

 

لقد تضاعف تعداد سكان المنطقة أكثر من أربعين ضعفاً خلال الـ 60 عاماً الماضية؛ فقد أنشأت دول مجلس التعاون الخليجي مدناً عالمية المستوى ذات طموح استثنائي، تضم بنية تحتية فائقة، وطاقة وفيرة، ومناظر حضرية تنافس أي مدينة على وجه الأرض. ولكن خلف هذا الازدهار هناك نقاط ضعفٍ عميقة. فمازالت محطات التحلية المصدر الوحيد للمياه لملايين الأشخاص؛ وبينما يخيم الآن التهديد الحقيقي لتخريب البنية التحتية الحيوية. فالدرس الذي أصبح من الصعب تجاهله أن المدينة يجب أن تنمو فقط بقدر حجم خزاناتها المائية الطبيعية!

 

من الملاحظ بأن المعارضة الإقليمية للحرب تتزايد، تحملها مشاعر قومية عميقة تتدفق تجاه أي كيان يقف ضد النظام الإسرائيلي. وقد أدى هذه الوضع إلى خلق حالة توتر مع بعض الوافدين العرب. ومع بدء المغتربين من ذوي المهارات العالية في الفرار من المنطقة بهدوء، يجدر بمدن الخليج إعادة النظر في هيكلة سوق العمل. نعم المهاجرون نعمة، ولكن الهجرة كبديل للتنمية الديموغرافية الحقيقية هي نقطة ضعف تكشفها الحرب الآن بدقة.

 

ومن المدهش كذلك، أن العمران منخفض الكثافة في مدن مجلس التعاون والذي تعرض للنقد لوقت طويل يثبت ميزة غير متوقعة. فالمدن الممتدة والسكان المتفرقين تعني أن الصواريخ والطائرات بدون طيار تحمل حسابات دمار مختلفة وتقل عمّا هي عليه في مدن مكتظة. فالكثافة العالية ممتازة، إلا في حالات الحرب !

 

وفي من جانبٍ آخر، وأثناء قيادتي على الطريق الدائري الأول مؤخراً، صادفت مشهداً مؤلماً لبرج مقر المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وقد تعرض لدمار نتيجة تعرضه لشظايا أو ضربة. إن منظر البرج المتضرر كان مؤلماً جداً. وإنه يعلن عن تناقضا حاداً مع طموحات منطقة عُرفت عالمياً بتفوقها بصناعة المعالم المعمارية وتحقيق الارتفاعات. إلا انه في زمن الحرب، البرج ليس معلماً، بل هو هدف. والعمل أو السكن فيه يعتبر أكثر خطورة، وهو يشكل تحدي لفرق المكافحة والطوارئ. ففي وقت الحرب، اتضح أن الأبراج عبء عديم الفائدة.

 

التكنولوجيا أيضا أظهرت حدودها. كانت ومازالت التطبيقات ومنصات الدفع والتخزين السحابي ووسائل الراحة الرقمية التي اعتمدنا عليها بحماس، تعتمد كلياً على الاستقرار، وليست أساساً بحد ذاتها. وفي اللحظة التي اندلع فيها الصراع، أصبح هذا التمييز واضحاً جداً. أثناء الطوارئ لا يمكن الاعتماد على التكنولوجيا فقط !

 

ما تذكرنا به الحرب بشكل واضح، هو الإنسان. ففي أوقات الأزمات نتذكر أننا بحاجة إلى الناس وليس إلى المنصّات. نــحتاج إلى الجار الذي يشاركنا سماع نفس صفارات الإنذار واحياناً نفس الباب والسلم. فالعلاقة الوطيدة تصبح أكثر قيمة من أي شبكة رقمية. والحي، تلك الوحدة الأقدم للاستيطان البشري، يعيد تأكيد نفسه كشيء لا يمكن لأي تطبيق الكتروني تقليده. تذكرك الحرب بأن تتعرف على جارك !

 

وأخيرا، تعيد الحرب حتى وعينا بالسكن. وأهمية سهولة الوصول للخدمات والمركزية، وهذه المعايير كانت في السابق ثانوية أمام الشكل والحجم. إن المركزية تظهر كوسيلة للبقاء. وفي أثناء الحرب، الموقع الجيد لم يعد يتعلق بالطموح. بل بالقدرة على الحركة، والوصول، والتحمل.

 

في الختام، الحرب تعيد المدن إلى جوهرها وتجبرنا على مواجهة ما اعتبرناه أمرا مسلماً به. المرافق مثل الماء والمأوى والمجتمع والقرب ليست مجرد وسائل راحة بل هي وسائل هندسية للبقاء. هذه اللحظة التاريخية ليست فريدة، لكنها تأتي بأهمية خاصة للمدن المبنية على افتراض الاستقرار الدائم. ربما أعمق درس في هذه الحرب ليس درساً استراتيجياً أو سياسياً، بل إنسانياً جوهرياً: أن مقياس المدينة لم يكن أفقها، بل صمودها، وأن الصمود لم يكن في مبانيها وبنيتها التحتية، بل في الناس الذين يعيشون بينها.