أرشيف الوسم: العمارة

من مدن الاستهلاك إلى مدن الإنتاج

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 283 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 11 أكتوبر 2025
من مدن الاستهلاك إلى مدن الإنتاج

لطالما ارتبطت التنمية الحضرية بالاستهلاك – مراكز التسوق، وناطحات السحاب، والمناطق السياحية، والمضاربة العقارية. لكن النمو القائم على الاستهلاك يُعمّق عدم المساواة، ويستنزف الموارد، ويُحوّل المواطنين إلى مستهلكين سلبيين. لذلك بينما نمضي نحو إنشاء المزيد من المدن ونواصل من التوسع الحضري فنحن بحاجة إلى تحول أعمق حين تصبح المدن منتجة اقتصاديًا، واجتماعيًا، وبيئيًا، وثقافيًا. ومصممة وفق متطلبات واحتياجات مستخدميها.

وذلك ما أشارت إليه جين جاكوبس ببراعة قائلةً: “تمتلك المدن القدرة على توفير شيء للجميع، فقط لأنها، وعندما، يُنشئها الجميع.”  تُذكّرنا كلماتها بأن المدن الناجحة لا تُشكّل من الأعلى إلى الأسفل، بل من القاعدة الشعبية أولأً، أي من خلال مساهمة الناس بفاعلية، وليس مجرد تلقيهم المنتج النهائي.

 

لبناء مدن منتجة، يجب أن نبدأ بوضع اقتصادات منتجة في مركزها. بدلًا من النظر لها كمنتجات عقارية أوإعطاء الأولوية لاستهلاك، ينبغي على المدن الاستثمار في مراكز الإنتاج والابتكار والتطوير المحلية. وبذلك، تُقلل المدن من الاعتماد على الموارد، وتُحفّز فرص العمل، وتُعيد تدوير القيمة محلياً.

 

ولذلك يجب أن يُعزز التصميم الحضري المجتمعات المُنتجة – الحدائق التعاونية، وورش العمل المشتركة، ومختبرات المواطنين، والتجمعات الثقافية – وليس مجرد مناطق سكنية واستهلاكية وترفيهية. وبذلك تُحوّل هذه المساحات السكان إلى مُشاركين في خلق بيئتهم.

ومن الناحية البيئية، يجب على المدن أن تُولّد الحياة لا أن تستهلكها. وقد لاحظ لويس مومفورد أن “الوظيفة الرئيسية للمدينة هي تحويل الطاقة إلى شكل، والطاقة إلى ثقافة، والمواد الخام إلى رموز فنية حية، والتكاثر البيولوجي إلى إبداع اجتماعي”.

 

بعبارة أخرى، لا ينبغي أن تدعم البنية التحتية الاستهلاك فحسب (الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي ومواقف السيارات، وأنظمة تكييف الهواء).  بل ينبغي أن تُنتج الطاقة، وتُولّد المياه النظيفة، وتُحوّل النفايات العضوية إلى طاقة أو سماد، وتُدمج الأنظمة الخضراء في النسيج الحضري.

 

وأخيرًا، يجب أن تعكس الحوكمة الإنتاج. يجب أن يكون التخطيط والميزانية متلازمين، وأن يُوجّها سلطة اتخاذ القرار إلى المجتمعات المحلية حتى تُصبح المجتمعات مُنتجة للسياسات، لا مجرد مُشاركة فيها.

 

حيث أن مدننا حالياً تؤدي فقط لتغذية المزيد من الاستهلاك وفرضه على الناس.  بينما المدن المنتجة تسعى لخلق القيمة المادية والثقافية من الداخل. وقد حذّرت جاكوبس في موضع آخر: “لا يوجد منطق يُمكن فرضه على المدينة؛ فالناس هم من يصنعونها، وعلينا أن نُلائم خططنا معهم، لا مع المباني”. إذا انتبهنا لهذه الحكمة، يُمكن لمستقبلنا الحضري أن يتطور من الاستهلاك السلبي إلى الإبداع النشط – حيث نبني مستقبلاً مستداماً، عادلاً، صانعاً للدخل ونابضاً بالحياة.

حان الوقت لإنشاء بلدية مدينة الكويت

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 1٬254 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 24 سبتمبر 2023
حان الوقت لإنشاء بلدية مدينة الكويت

نشرت الصحف خبر مقترح أعضاء المجلس البلدي لإنشاء بلدية مستقلة لمدينة الكويت. وقدم الأعضاء د. شريفة الشلفان و م. فرح الرومي، و م. عبداللطيف الدعي، اقتراحاً لإنشاء بلدية مستقلة لمدينة الكويت. لها ميزانية مستقلة، وهيكل تنظيمي خاص تتبع لوائح البلدية، وتهدف الى رفع مستوى الخدمات. وهو اقتراح ممتاز سيساهم في تفكيك المركزية الحكومية، وقد يكون خطوة أولى في إنشاء مزيد من البلديات المستقلة في كافة المحافظات؛ وربما المدن الجديدة كذلك كالمطلاع، وسعد العبد الله، وصباح الأحمد وغيرها.

فعادة ما تهتم الشعوب بالعناية بمدنها؛ انطلاقاً من الارتباط الروحي الذي يربطهم بالمدينة التاريخية. ويعرف هذا الحنين بأنه التوق لصورة إيجابية وردية من الماضي المتخيل. ويتبادل بعض كبار السن أو المخصصين الحديث عن صورة جميلة لماضي مدينة الكويت، وسورها، وبيوتها، وفرجانها وأسواقها، والشاطئ، والبحر، وغيرها من ملامح الحياة الاجتماعية لفترة ما قبل النفط. ويعمل المختصون لمحاولة الاستفادة من هذه الملامح في صياغة تصورات لمدينة الكويت الحديثة والمستقبلية، والمحافظة على ما تبقى فيها من معالم تاريخية.

إلا أن أهم العوائق التي تواجه هذا الاتجاه، أنه لا يوجد رغبة لدى الغالبية من المواطنين للعودة لهذه الصورة المتخلية من المدينة. فالكثير ممن عاشوا فترة ما قبل النفط  يستمتعون بما جلبته الحداثة من وسائل راحة ودعة، مثلًا: كالمركبة الخاصة، والمنزل الحديث، والضاحية السكنية ومرافقها. أما الجيل الجديد فلا يعرف عن الماضي إلا القليل من الصور السطحية عن طبيعة الحياة قبل النفط، والتي تنقلها بعض وسائل الإعلام أو المناهج التعليمية. والجميع يتأثر بالصور النمطية التي تنقلها وسائل الإعلام عن المدن الإقليمية الجارة، وما تضمه من أبراج شاهقة، وطرق سريعة، ومعالم معمارية مختلفة.

علاوة على ذلك، فإن التدمير الممنهج الذي حصل لمدينة الكويت التاريخية، لا يمكن إصلاحه. لا سيما، وأن المدينة قد تم افراغها من السكّان، ومسح نسيجها العمراني الأصلي، وهدم الغالبية العظمى من مبانيها القديمة، واستبدالها بمرافق ومبانٍ ومنشآت حديثة. وأخيراً، المشروع الدائري الأول، والذي عند اكتماله فصل المدينة إلى شطرين، وساهم في تفكيك نسيجها المفكك أصلاً.

إن مدينة الكويت العاصمة، تبقى ذات أهمية بالغة، فهي نواة الدولة، ومركز الحكم، ومحور الأنشطة التجارية. وحتى نتمكن من إنقاذ ما تبقى، ونصحح مسار التنمية العمرانية في المدينة، فلا بد من القيام بالتالي:

  • تعزيز فكرة الاهتمام بالمدينة كموقع تاريخي له أهمية روحية بالرغم أن ما تبقى من الأثر الفيزيائي قليل.
  • إجراء تدخلات صغيرة نسبياً، والقيام بتجارب عمرانية تحسن من البيئة العمرانية في المدينة؛ لتكون نماذج اختبارية يمكن محاكاتها.
  • البدء في إعادة إحياء المدينة من خلال تشجيع السكن داخل حدود المدينة لمختلف الشرائح، حيث لا يوجد مدينة ناجحة دون سكّان، فوجود السكّان سيعزز الاهتمام بالمكان، وسيخلق بيئة حيّة طوال الأربعة والعشرين ساعة.
  • ولا شك بأن إنشاء بلدية مدينة الكويت، سيساهم بتطوير مدينة الكويت، من خلال تركيز الجهود، وتحديد المسئوليات، وتقليص البيروقراطية المعقدة. لذلك، نقول شكرًا لأعضاء المجلس البلدي على هذا الاقتراح الثمين.

قانون إنشاء المدن …. الفرصة والطموح

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 1٬377 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 25 يوليو 2023
قانون إنشاء المدن …. الفرصة والطموح

في الأسبوع الماضي، أقر مجلس الأمة الكويتي قانون إنشاء المدن الإسكانية، والذي لاقى قبولاً واسعاً وحماساً كبيراً لدى شريحة كبيرة من المواطنين والمهتمين، وأعتبره العديد من السياسيين إنجازاً قيّماً ودليلاً على الوفاء ببعض الوعود الانتخابية.

بلا شك، القانون خطوة في الاتجاه الصحيح، وفرصة ثمينة للحكومة والقطاع الخاص للخروج من حالة الجمود والرتابة، ومحاولة لتدشين تعاون بنّاء بين القطاعين يعود بالنفع على المواطنين. مع التأكيد، على أنه لم يدّعِ أحد أن القانون يقدم حلاً شاملاً للمشكلة الإسكانية، ولا تغلباً سحرياً لظاهرة الارتفاع المحموم لأسعار العقارات السكنية في دولة الكويت.

والقارئ لردود الأفعال، يرى بأن القانون لم يرقى لطموح القطاع الخاص، وبشكله الحالي، لا يفسح المجال للسوق الحر بالمساهمة المباشرة في توفير المنتجات السكنية وفق آليات العرض والطلب، مع التأكيد على أن التجارب العالمية أثبتت أن آليات السوق الحر (المنظّم) تؤدي لنمو اقتصادي أكبر وتوفر بدائل أوسع للمستهلكين وبأسعار تنافسية، لكافة أنواع السلع بما فيها السلع الإسكانية.

ولكن وبعد عقود من التجاذبات السياسية، حرص المشرّع الكويتي على مراعاة طبيعة النظام السياسي المحلي، وأخذ بالاعتبار ريبة المواطن من ممارسات قوى المال والأعمال، وعليه عمل القانون على فتح المجال للشركات العالمية لمزاحمة الشركات المحلية، وذلك لتعزيز المنافسة والاستفادة من التجارب الدولية. كما اقتصر القانون المشاركين على شركات مساهمة عامة، وأن يكون الاكتتاب فيها عاماً ولا تزيد نسبة المستثمر فيها عن 49%، وهذه الشروط تهدف لطمأنة المواطنين بضمان وضع قيود صارمة على ممارسات القطاع الخاص.

ورغم محدودية القانون والقيود الإضافية التي قد تضعها اللائحة التنفيذية للقانون، يبقى التحدي الحقيقي هو أن يبادر القطاع الخاص باستثمار هذه الفرصة، وأن يقدم حلولاً إبداعية تساهم ولو بشكل بسيط بحل جوانب من عوائق تنفيذ المدن والضواحي السكنية، فلا يملك القطاع الخاص سوى إثبات جديته وكفاءته من خلال نجاح مبادراته وتقديم منتجات سكنية تتفوق على النموذج التقليدي الذي اعتاد عليه المواطن الكويتي.

إن هذا القانون خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح، ولكنه لا يعالج أصل المشكلة الاسكانية المتمثلة في تغيير النمط العمراني الاستهلاكي الذي اعتاد عليه المواطن الكويتي، فالنمو العددي لسكان دولة الكويت، ومحدودية إيرادات الدولة، لا تسمح بالاستمرار في التوسع المتلاحق وتشجيع الإنفاق الواسع على الوحدات السكنية.

كما أن نموذج الاعتماد الكلي على مؤسسات الدولة المركزية في الاستمرار في توفير الرعاية السكنية لنسبة 100% من المواطنين، يعد نمط غير منطقي وغير صحي اقتصادياً على المدى البعيد.

ومن الناحية التخطيطية، القانون لا يلبي طموح المخططين العمرانيين، فما زال يحفز التمدد المستمر للرقعة العمرانية بوتيرة غير مستدامة، وترهق ميزانية الدولة في توفير الخدمات والمرافق، ومازال يشجع إنشاء نموذج للوحدة السكنية متمثل في قسيمة بمساحة 400 متر مربع لكل أسرة كويتية، الأمر الفريد عالمياً، والذي لا يتوافق مع طبيعة البشر المتنوعة وحاجاتهم المتغيرة.

فالقانون لن ينتج عنه تغيير على الواقع العمراني، ولن يصنع لنا مدن ذكية ولا صديقة للبيئة، ولن نرى طرق حديثة ولا وسائل نقل عام كفؤ أو مسارات للمشاة والدراجات الهوائية ولا أماكن عامة جيدة أو حدائق خضراء واسعة، ولا مباني معمارية فريدة.

ولكن في أحسن الأحوال، سيعمل القانون على تحفيز القطاع الخاص وخلق فرص استثمارية وتجارية والإسراع في إنجاز المشاريع الإسكانية، وهذا بحد ذاته إنجاز معتبر وخطوة نحو مزيد من التحول الإيجابي في معالجة القضية الاسكانية.

نـحو إحياء بلدية الكويت في عصر التغير السريع

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 563 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 8 يوليو 2023
نـحو إحياء بلدية الكويت في عصر التغير السريع

للبلديات في العالم أدوار رئيسية، وأهم أدوارها التخطيط العمراني الحديث الذي يجب أن يتكيف مع متطلبات العصر، وأن يبنى على المرونة والتجاوب السريع لتلك المتطلبات. والبلدية مؤسسة مهمة تعمل في معظم دول العالم، ويقال بأن أول بلدية تأسست كانت في مدينة سيينا الإيطالية عام 1239م. ويضم مجلسها تسعة أفراد لتولي إدارة شئون المدينة. وقد أقيم مبنى لقاعة المدينة يطل على الساحة الرئيسية لترمز بذلك إلى الدور المحوري للحكم الرشيد.

أما في الكويت، فقد تأسست بلدية الكويت في 13 أبريل 1930م، مبادرة من الشيخ يوسف بن عيسى الذي قدمها لحاكم الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح، والذي وافق وأيد الفكرة. استمر عمل البلدية حتى عام 1954م، عندما صدر قانون جديد أكد على استقلال ودور البلدية المحوري القائم حتى هذا اليوم.

وتعمل البلديات بشكل عام على تحقيق التالي:

  • اتخاذ القرارات التي تخص البيئة العامة للمدن بالنيابة عن المجتمع.
  • تقدم بعض الخدمات العامة كالنظافة والتنظيم وإدارة المرافق العامة.
  • التخطيط العمراني.
  • وفي الكثير من الأحيان، الإشراف على خدمات الطرق والمرافق العامة وخدمات مكافحة الحريق.

في مدن دول الخليج، يجب أن تولى البلديات أدوار مهمة. حيث تشهد المدن نمواً غير اعتيادي وتواجه تغييرات سريعة في المجتمعات. ويشكل القطاع العقاري نسب مهمة من الناتج القومي يتراوح بين 7% إلى 10%، وغالبًا ما يعتبر الرافد الاقتصادي الثاني من بعد النفط.

إلا أنه في الكويت، وبعد أن كانت بلدية الكويت مؤسسة محورية وقد ارتبطت بشكل مباشر بمؤسسة الحكم ووضعت الأسس الأولية لإقامة الدولة الحديثة. ووضعت أول مخطط هيكلي في الشرق الأوسط، إلا أن دورها تراجع تدريجياً وتخلت عبر السنوات عن مجموعة أساسية من صلاحياتها. ومع توسع البلد أصبحت غير قادرة على أداء المهام الموكلة لها على الوجه الأمثل. وتحولت اليوم إلى مؤسسة بيروقراطية بحته، وأداة تنفيذية آلية قد تكون عائقًا في كثير من الأحيان، بدلاً من أن تكون أداة دفع وتحفيز.

لذا فنحن بحاجة إلى إعادة تعريف وتوصيف البلدية، وربما تفكيكها وإعادة رسم حدود صلاحياتها القانونية والتنظيمية والجغرافية. يجب أن نعيد إحياء دور التخطيط العمراني ليصبح رأس البلدية ومحركها الأساسي، وكما يقال نحتاج إلى وضع الحصان أمام العربة.  حيث أصبح اليوم قسمًا هامشيًا لا يرتبط بواقع التنفيذ بشكلٍ كافٍ.

لا يمكن تحقيق التنمية المنشودة دون أن تأخذ في الاعتبار البلدية الحديثة، الطبيعة المتغيرة للمدن المعاصرة، وما تتطلبها من تفاعل سريع مع متطلبات الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية. ولا يمكن أن تنجح البلدية المعاصرة دون أن نبنيها على مفاهيم التكيّف والمرونة والتجاوب السريع.