أرشيف الوسم: عمارة

Architecture of Memory, and Justice

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 506 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 2 يوليو 2026
Architecture of Memory, and Justice

In terms of architectural taste, I may not like the architectural style of the Palace of Justice in Kuwait City. But it is undeniable that it has become an architectural landmark that carries weight in the collective memory and shapes the spatial identity of Kuwait City. Here I bring to mind the Italian architect Aldo Rossi (1931-1997) and his idea of an “urban artifact”.

 Rossi wrote: “Architecture in the city means two different things: first, the city as a massive man-made object, a complex work of engineering that grows with time; second, limited but essential aspects of the city, are the urban artifacts.”

Rossi introduces the concept of an “urban artifact”, which includes buildings and spaces that survive over time not for a functional advantage, but because they concentrate collective meaning and become indispensable monuments, such as mosques, markets, and public squares, elements of resistance, which survive demographic and economic change and even physical destruction because they are centers of collective identity.  It allows society to remember who it is and where it came from. Rossi’s concept of a “site” that focuses collective memory has a particular resonance in the Gulf; the historic souks in Kuwait, the old yards (Baraha) in Bahrain, and the towers of Qatari coastal villages are sites where the community’s identity is physically symbolized. Its destruction during   an era of oil-age urbanization, in Rossi’s terms, represented the destruction of collective memory and the dismantling of the infrastructure of identity.

The Palace of Justice in Kuwait is a delicate test case for us. Designed by Scottish architect Sir Basil Spence, it was opened in 1986 as part of the state’s policy in the 1960s and 1970s to establish a Kuwaiti-themed architectural modernity! Due to its size, location, and historical value, Kuwaitis interacted with it in different circumstances, adorned it with the national currency, and received decades of the state’s legal memory, becoming the center of a collective identity that went beyond its practical function.

However, the Ministry of Justice recently announced the decision to demolish it, a decision that goes beyond being an administrative decision, as it represents a deliberate dismantling of one of the few spatial anchors that link the modern judicial institution to its founding history. More seriously, the decision comes in the absence of a technical opinion that the building is liable to fall, and it also violates Article 12 of the Constitution, which obliges the state to preserve heritage, and Article 17, which protects public funds, as it is estimated that the demolition of a building with a current value of approximately fifty million Kuwaiti dinars constitutes a direct waste of public estate.

From the perspective of urban development, the demolition of the Palace of Justice enshrines a “culture of demolition”, which reduces the treatment of aging buildings to their replacement rather than periodic maintenance, even though the cost of maintenance is much lower than the cost of demolition and reconstruction, and despite the fact that the replacement empties the site of its historical layers.

On the other hand, if the Ministry of Justice believes that the building is no longer practical or useful for its current operations, then it can be put up for investment, and the private sector should study its rehabilitation for other uses, so that it can become a hotel, a market, a bank headquarters, or even a museum or a public library!

The demolition decision comes in the context of a series of demolitions that inevitably apply to other modernist buildings of the same era, from the Kuwait Airport designed by Kenzo Tango to the Central Bank building designed by Arne Jakobsen, all of which are urban artifacts that are subject to the same fate unless an explicit national policy is adopted to protect modern architectural heritage.

الرفاهية الهشة: ملاحظات حضرية

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 623 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 22 مارس 2026
الرفاهية الهشة: ملاحظات حضرية

بعد واحد وعشرين يوما من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ومع استهداف الضربات الانتقامية الإيرانية لدول مجلس التعاون الخليجي، تستمر الحياة هنا بحالة طبيعية ومقلقة في ذات الوقت. صفارات الإنذار تدوي، والأخبار تدور، ومع ذلك تبقى الشوارع مشغولة والروتين كما هو. لكن ما تكشفه هذا اللحظة بهدوء هو حقيقة واحدة غير سارة، نــحن نعيش رفاهية هشة.

 

لقد تضاعف تعداد سكان المنطقة أكثر من أربعين ضعفاً خلال الـ 60 عاماً الماضية؛ فقد أنشأت دول مجلس التعاون الخليجي مدناً عالمية المستوى ذات طموح استثنائي، تضم بنية تحتية فائقة، وطاقة وفيرة، ومناظر حضرية تنافس أي مدينة على وجه الأرض. ولكن خلف هذا الازدهار هناك نقاط ضعفٍ عميقة. فمازالت محطات التحلية المصدر الوحيد للمياه لملايين الأشخاص؛ وبينما يخيم الآن التهديد الحقيقي لتخريب البنية التحتية الحيوية. فالدرس الذي أصبح من الصعب تجاهله أن المدينة يجب أن تنمو فقط بقدر حجم خزاناتها المائية الطبيعية!

 

من الملاحظ بأن المعارضة الإقليمية للحرب تتزايد، تحملها مشاعر قومية عميقة تتدفق تجاه أي كيان يقف ضد النظام الإسرائيلي. وقد أدى هذه الوضع إلى خلق حالة توتر مع بعض الوافدين العرب. ومع بدء المغتربين من ذوي المهارات العالية في الفرار من المنطقة بهدوء، يجدر بمدن الخليج إعادة النظر في هيكلة سوق العمل. نعم المهاجرون نعمة، ولكن الهجرة كبديل للتنمية الديموغرافية الحقيقية هي نقطة ضعف تكشفها الحرب الآن بدقة.

 

ومن المدهش كذلك، أن العمران منخفض الكثافة في مدن مجلس التعاون والذي تعرض للنقد لوقت طويل يثبت ميزة غير متوقعة. فالمدن الممتدة والسكان المتفرقين تعني أن الصواريخ والطائرات بدون طيار تحمل حسابات دمار مختلفة وتقل عمّا هي عليه في مدن مكتظة. فالكثافة العالية ممتازة، إلا في حالات الحرب !

 

وفي من جانبٍ آخر، وأثناء قيادتي على الطريق الدائري الأول مؤخراً، صادفت مشهداً مؤلماً لبرج مقر المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وقد تعرض لدمار نتيجة تعرضه لشظايا أو ضربة. إن منظر البرج المتضرر كان مؤلماً جداً. وإنه يعلن عن تناقضا حاداً مع طموحات منطقة عُرفت عالمياً بتفوقها بصناعة المعالم المعمارية وتحقيق الارتفاعات. إلا انه في زمن الحرب، البرج ليس معلماً، بل هو هدف. والعمل أو السكن فيه يعتبر أكثر خطورة، وهو يشكل تحدي لفرق المكافحة والطوارئ. ففي وقت الحرب، اتضح أن الأبراج عبء عديم الفائدة.

 

التكنولوجيا أيضا أظهرت حدودها. كانت ومازالت التطبيقات ومنصات الدفع والتخزين السحابي ووسائل الراحة الرقمية التي اعتمدنا عليها بحماس، تعتمد كلياً على الاستقرار، وليست أساساً بحد ذاتها. وفي اللحظة التي اندلع فيها الصراع، أصبح هذا التمييز واضحاً جداً. أثناء الطوارئ لا يمكن الاعتماد على التكنولوجيا فقط !

 

ما تذكرنا به الحرب بشكل واضح، هو الإنسان. ففي أوقات الأزمات نتذكر أننا بحاجة إلى الناس وليس إلى المنصّات. نــحتاج إلى الجار الذي يشاركنا سماع نفس صفارات الإنذار واحياناً نفس الباب والسلم. فالعلاقة الوطيدة تصبح أكثر قيمة من أي شبكة رقمية. والحي، تلك الوحدة الأقدم للاستيطان البشري، يعيد تأكيد نفسه كشيء لا يمكن لأي تطبيق الكتروني تقليده. تذكرك الحرب بأن تتعرف على جارك !

 

وأخيرا، تعيد الحرب حتى وعينا بالسكن. وأهمية سهولة الوصول للخدمات والمركزية، وهذه المعايير كانت في السابق ثانوية أمام الشكل والحجم. إن المركزية تظهر كوسيلة للبقاء. وفي أثناء الحرب، الموقع الجيد لم يعد يتعلق بالطموح. بل بالقدرة على الحركة، والوصول، والتحمل.

 

في الختام، الحرب تعيد المدن إلى جوهرها وتجبرنا على مواجهة ما اعتبرناه أمرا مسلماً به. المرافق مثل الماء والمأوى والمجتمع والقرب ليست مجرد وسائل راحة بل هي وسائل هندسية للبقاء. هذه اللحظة التاريخية ليست فريدة، لكنها تأتي بأهمية خاصة للمدن المبنية على افتراض الاستقرار الدائم. ربما أعمق درس في هذه الحرب ليس درساً استراتيجياً أو سياسياً، بل إنسانياً جوهرياً: أن مقياس المدينة لم يكن أفقها، بل صمودها، وأن الصمود لم يكن في مبانيها وبنيتها التحتية، بل في الناس الذين يعيشون بينها.

مغناطيسات لا جدران: رؤية لمراكز الخليج المنتجة

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 759 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 10 فبراير 2026
مغناطيسات لا جدران: رؤية لمراكز الخليج المنتجة

تسعى سلسة المقالات هذه لصياغة رؤية لتحويل الكويت ومدن الخليج إلى مراكز إنتاجية. وادعو في هذا المقال إلى تتببين دور الطبقة الإبداعية في احداث هذا التحول الحيوي. وحيث لا يمكن إنجاز هذا التحول دون الانتقال من النموذج السائد والعشوائي في استقطاب العمالة الوافدة إلى نموذج جديد يعمل على استهداف جذب الطبقة الإبداعية. يجب أن ندرك بأن الاعتماد التاريخي على العمالة الوافدة خلق فجوات بنوية، حيث تهيمن العمالة الهامشية محدودة المهارة على سوق العمل، ويتزاحم المواطنون والوافدون المهنيون على الوظائف الوسيطة. وحيث تعيق القوانين القائمة جذب أو حتى استبقاء الكفاءات الطموحة.

 

وبعد عقود من قيام الدولة الحديثة في الكويت ودول الخليج، وبعد النضج المؤسسي وتأصيل الهوية الوطنية، فقد تهيأت الظروف لتبني سياسات انفتاحيه لتحرير الاقتصاد وافساح مجالات أوسع للأفراد والكيانات الوافدة للمشاركة في تعزيز الاقتصاد المحلي بشكل نوعي.

 

وأشير هنا إلى أهمية أفكار المفكر الأمريكي العمراني والاقتصادي ريتشارد فلوريدا Richard Florida والذي اشتهر في نظريته حول “الطبقة الإبداعية” ودورها في رفع الحظوظ الاقتصادية للمدن. والتي سردها في كتابه المؤثر (صعود الطبقة المبدعة -2002). ويعرّف فلوريدا “الطبقة الإبداعية” بانها القوى العاملة التي تعتمد في وظيفتها على انتاج الأفكار والمعرفة معتبراً الابداع وليس الصناعة التقليدية هو المحرك الأساسي للاقتصاد الحديث. ويستند حجة فلوريدا على أن المدن الآن تتنافس لجذب المواهب البشرية قبل الشركات، وأن الشركات باتت تتبع الأفراد الموهوبين إلى حيث يفضلون العيش.

 

يقترح فلوريدا لتحقيق جذب المواهب إطار التاءات الثلاثة (3Ts) للتنمية الحضرية وهي الموهبة والتكنولوجيا والتسامح. حيث الموهبة تشير إلى قوة عاملة متعلمة وماهرة عالية؛ والتكنولوجيا إلى وجود مهارات بحثية في مجالات التكنولوجيا والابتكار؛ ويعبر التسامح إلى الانفتاح الاجتماعي تجاه التنوع، بما في ذلك الأقليات العرقية والمهاجرين وغيرهم. ويجادل فلوريدا بأن المدن التي تحصل على درجات عالية في جميع الأبعاد الثلاثة هي الأفضل في وضع النمو الاقتصادي. ويؤكد بأن المجتمعات المنفتحة والمتنوعة هي الأكثر نمواً. ويشير إلى أهمية “جودة المكان” ونمط الحياة الحضرية كاستراتيجية للمدن الاقتصادية. وباختصار فقد حولت نظرياته تركيز التخطيط الحضري العمراني من التنافسية الصناعية إلى الاستثمار في رأس المال البشري والبيئة الثقافية.

 

وهنا تجدر الإشارة على أهمية جذب وتسكين الطبقة الإبداعية لكونها تحق مجموعة من المكاسب ومنها:

  1. النمو والابتكار: فهي تخلق شركات ناشئة تنوع الاقتصاد بعيجاً على الصناعات التقليدية.
  2. الجاذبية العالمية: تعزيز العلامة التجارية للمدينة كمركز ثقافي وتقني يعمل على جذب الاستثمارات.
  3. التجديد الحضري: تعمل الطبقة الإبداعية على احياء المناطق المهملة وتحويلها إلى عقد اقتصادية نشطة.
  4. تبادل المعرفة: إن توسيع الطبقة الإبداعية يحفز الابتكار وتبادل الخبرات والتنافسية ويتقاطع بين التكنولوجيا والثقافة.

 

إلا أنه ومع الأسف، تتبنى الكويت حالياً سياسات تسير عكس تيار الانفتاح العالمي، من خلال خلق بيئة طاردة تفتقر للمرونة وتتخلى عن موروثها في التسامح والتعددية. وبدلاً من تعزيز سياسات الاستبقاء والاستقطاب للعقول المبدعة، نجد توجهاً يقلل من قيمة التنوع ويُفرط في الكفاءات المتاحة. ونأمل أن يعاد النظر في هذا التوجه في ظل سيادة القانون والحقوق والسماحة التي عرفت الكويت باحترامها.

 

وفي ظل التنافس العالمي على المواهب يصبح لزاماً علينا تهيئة بيئة تشريعية وحضرية متكاملة تضمن تحويل الوافد المبدع إلى شريك مساهم في النهضة بما يضمن استدامة الازدهار وخلق فرصاً نوعية للأجيال القادمة.

من المستهلك إلى المُعَمِّر: رؤية جميل أكبر للمدن المنتجة

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 699 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 15 يناير 2026
من المستهلك إلى المُعَمِّر: رؤية جميل أكبر للمدن المنتجة

 

“يوتوبيا تلوح في الأفق. عندما أقترب بخطوتين، تتراجع خطوتين. إذا تقدمت عشر خطوات للأمام، فإنها تنزلق بسرعة إلى الأمام عشر خطوات. مهما ذهبت، لا أستطيع الوصول إليها. فما هو الهدف من المدينة الفاضلة إذاً؟ بل لجعلنا نتقدم.”

  • إدواردو جاليانو

 

من المفيد أحيانا اللجوء للأفكار الراديكالية والمتطرفة. إن هذه الأفكار التي تتحدى المألوف وتحفز الفكر وتعرض حلولاً ربما لم تكن متخيله. وبصرف النظر عن مدى إمكانية تطبيق هذه الأفكار الجريئة إلا أنها مفيدة ولو بصناعة تأثير إيجابي بسيط. وغالباً ما يقترن تخطيط المدن بالخيال والحلم، لأنه يقدم تصورات عملاقة تعرض حلولاً لتغيير حيوات الناس وتقديم نماذج بديلة.

 

وإكمالاً لموضوع المدن المنتجة، رأيت أنه من الضروري عرض أفكار المفكر العمراني د. جميل أكبر. والذي يبذل مجهودات كبيرة في مجالات العمران ويسعى لتقديم رؤية جديدة مستقاة من الثقافة الإسلامية يتحدى بها الوضع السائد. وتعالج أفكاره ما هو أبعد من الشكل العمراني إلى مناهج السياسة والإدارة العامة للدولة والناس. الدكتور جميل عبد القادر أكبر هو من أولئك الذين يطرحون أفكاراً كبيرة، ويعمل بصدق ومثابرة لنشرها والذود عنها. وهو أستاذ العمارة والتخطيط بجامعة الملك فيصل ومؤلف كتاب “عمارة الأرض في الإسلام” والكتاب الكبير “قص الحق”.

 

ومفهوم الإنتاجية والعمل عند الدكتور جميل أكبر يتجاوز المعنى الوظيفي التقليدي أي الوظيفة والراتب؛ فهو يربطه جذرياً بمفاهيم الملكية، والحرية، وعمارة الأرض. ففي نظريته، يجعل العمل هو الأداة الوحيدة المشروعة لاكتساب الحقوق، وهو المحرك الأساسي للديناميكية العمرانية التي فقدناها في مدننا الحديثة.

 

يؤكد د. جميل على المبدأ الفقهي “من أحيا أرضاً ميتة فهي له”. وفي هذا السياق يصبح العمل (الإحياء) هو العملة الحقيقية التي يشتري بها الإنسان حقه في الملكية، وليست الأموال أو المنح الحكومية فقط. ففي النظام التقليدي فإن الفرد يبذل “عملاً” كبناء سور، أوحفر بئر، أو زراعة فيكتسب ملكية. هذا العمل كان إنتاجياً ومباشراً. أما في النظام الحديث، فقد استُبدل العمل المباشر بالاقتراض من البنوك أو الانتظار على قوائم الإسكان أو المضاربة، مما جعل العلاقة بين الإنسان والأرض علاقة منفعة مؤقتة لا علاقة كدح وإنتاج.

 

يرى أكبر أن العمل الحقيقي هو قدرة الإنسان على تغيير بيئته. فعندما يقوم الساكن بفتح نافذة، أو بناء غرفة إضافية، أو تنظيف الفناء المشترك مع جيرانه، فهو يمارس عملاً. أما التخطيط الحديث فقد سلب هذا النوع من العمل وحوله إلى عمل بيروقراطي. فعوضاً أن يبذل الساكن طاقته في البناء أي (عمل منتج) بحسب تعبير الدكتور، أصبح يبذل طاقته في استخراج التراخيص ومطاردة الاستثناءات في أعمال غير منتج وجهود مهدورة.

 

في كتابه الضخم “قص الحق”، يتوسع د. جميل في نقد مفهوم العمل في الدولة الحديثة المتمثلة في دولة الرفاه أو الدولة الريعية. فمن جهة هو يرى بأن العمل الحكومي أصبح ما يشبه العمل الوهمي.  وينتقد تضخم الأجهزة الحكومية بموظفين وظيفتهم الأساسية هي منع الناس من العمل أو التصرف في أملاكهم. ويرى أن هذا يستهلك موارد الأمة دون أن ينتج قيمة حقيقية، بل يعيق الإنتاج.

 

ويؤكد د. جميل بأن المجتمع يكون منتجاً عندما تُزال العوائق والأنظمة المفرطة من أمام الناس، ليتمكنوا من العمل في بيئاتهم ومشاريعهم الصغيرة بحرية ومسؤولية. وهو بذلك يدعو لتفعيل آلية “لا ضرر ولا ضرار” بدلاً من آلية “ممنوع إلا بتصريح”.

 

فالعمل عند د. جميل أكبر هو فعل الحرية المسؤول. أي أن يتاح للإنسان حق التصرف في محيطه وبيئته وأرضه وتجارته بحرية، مقيدة فقط بعدم الإضرار بالآخرين. وعندما يُمنع الإنسان من ذلك عبر القوانين الجامدة، يتحول من منتج ومُعَمِّر للأرض إلى مستهلك وعالة ينتظر من الدولة أن تعمل نيابة عنه.

 

يرى الدكتور جميل أن أنظمة التخطيط الحديثة الغربية المنشأ التي طُبقت في مدننا جردت الإنسان من قدرته على الفعل والتأثير في بيئته العمرانية. فعلى سبيل المثال في الماضي كان الساكن يشارك في بناء بيئته، يقرر شكل مبناه بالاتفاق مع جيرانه، فكان الفرد منتجاً للعمران. أما الآن فقد أصبح الساكن مجرد مستهلك لمنتجات عقارية جاهزة كالفيلات والشقق، صممتها الدولة أو المطورون العقاريون بقوانين صارمة كتحديد الارتدادات وارتفاعات ونسب البناء وغيرها، والتي لا تسمح له بالتغيير. هذا التحول خلق حالة من السلبية وعدم الانتماء.

 

إن من أهم أفكار د. جميل بأنه “بقدر ما تملك من حق التحكم، بقدر ما تتحمل من مسؤولية”.  فعندما تسحب الدولة أو البلدية حق التحكم في الفراغات الخارجية الشوارع، الأرصفة، الحدائق) من السكان، فإنها تسحب معها المسؤولية ويصبح الساكن غير معني بنظافة الشارع أو صيانته لأنه ملك للدولة. ويؤدي ذلك إلى استهلاك هائل للموارد العامة، حيث تضطر الدولة لصرف مبالغ طائلة على الصيانة والنظافة والأمن، وهي أمور كانت تتم تلقائياً وبكلفة شبه معدومة في الأحياء التقليدية، لأن السكان كانوا يملكون حق التحكم في البناء والشارع.

 

يربط د. جميل بين غياب المسؤولية الفردية وبين نمو النزعة الاستهلاكية. فعندما تتحكم الجهات المركزية في كل شيء، يميل الأفراد إلى التنافس في المظاهر المتمثلة في واجهات المنازل والسيارات وغيرها، بدلاً من التنافس في تحسين جودة الحياة المجتمعية. وتصبح المدينة عبارة عن مجموعة من المستهلكين المعزولين الذين يعتمدون كلياً على الأنظمة الميكانيكية تكييف وسيارات بدلاً من الحلول البيئية والعمرانية الطبيعية.

 

يرى الدكتور. جميل أكبر بأن المشكلة الحضرية ليست مشكلة اقتصادية بحتة، بل هي مشكلة حقوقية وتنظيمية. هو يشرح أننا لن نستطيع تعظيم الإنتاجية وترشيد الاستهلاك الطاقة أو الموارد أو حتى صيانة المدن إلا إذا أعدنا حق التحكم للناس في بيئاتهم المباشرة، ليعودوا معمّرين للأرض لا مجرد مستهلكين لها.

 

قد يرى البعض أن أفكار د. جميل غير قابلة للتطبيق، ويصفها آخرون بأنها يوتوبيا أو مثالية يصعب تحقيقها، كما قد يُؤخذ عليها ميلٌ إلى الماضي ونزعة سلفية ذات طابع علمي بحت. غير أن قيمتها الحقيقية تكمن في استلهامها من الثقافة الإسلامية، وتقديمها نماذج ذكية ومحفّزة للفكر. إنها أفكار قيمة تكسر رتابة المناهج السائدة، وتفتح آفاقاً للتأمل والمراجعة، وربما تدفع نحو التغيير والتحوّل ولو بخطوات محدودة.