أرشيف الوسم: مدينة الكويت

مغناطيسات لا جدران: رؤية لمراكز الخليج المنتجة

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 119 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 10 فبراير 2026
الرابط الدائم لـِ مغناطيسات لا جدران: رؤية لمراكز الخليج المنتجة

تسعى سلسة المقالات هذه لصياغة رؤية لتحويل الكويت ومدن الخليج إلى مراكز إنتاجية. وادعو في هذا المقال إلى تتببين دور الطبقة الإبداعية في احداث هذا التحول الحيوي. وحيث لا يمكن إنجاز هذا التحول دون الانتقال من النموذج السائد والعشوائي في استقطاب العمالة الوافدة إلى نموذج جديد يعمل على استهداف جذب الطبقة الإبداعية. يجب أن ندرك بأن الاعتماد التاريخي على العمالة الوافدة خلق فجوات بنوية، حيث تهيمن العمالة الهامشية محدودة المهارة على سوق العمل، ويتزاحم المواطنون والوافدون المهنيون على الوظائف الوسيطة. وحيث تعيق القوانين القائمة جذب أو حتى استبقاء الكفاءات الطموحة.

 

وبعد عقود من قيام الدولة الحديثة في الكويت ودول الخليج، وبعد النضج المؤسسي وتأصيل الهوية الوطنية، فقد تهيأت الظروف لتبني سياسات انفتاحيه لتحرير الاقتصاد وافساح مجالات أوسع للأفراد والكيانات الوافدة للمشاركة في تعزيز الاقتصاد المحلي بشكل نوعي.

 

وأشير هنا إلى أهمية أفكار المفكر الأمريكي العمراني والاقتصادي ريتشارد فلوريدا Richard Florida والذي اشتهر في نظريته حول “الطبقة الإبداعية” ودورها في رفع الحظوظ الاقتصادية للمدن. والتي سردها في كتابه المؤثر (صعود الطبقة المبدعة -2002). ويعرّف فلوريدا “الطبقة الإبداعية” بانها القوى العاملة التي تعتمد في وظيفتها على انتاج الأفكار والمعرفة معتبراً الابداع وليس الصناعة التقليدية هو المحرك الأساسي للاقتصاد الحديث. ويستند حجة فلوريدا على أن المدن الآن تتنافس لجذب المواهب البشرية قبل الشركات، وأن الشركات باتت تتبع الأفراد الموهوبين إلى حيث يفضلون العيش.

 

يقترح فلوريدا لتحقيق جذب المواهب إطار التاءات الثلاثة (3Ts) للتنمية الحضرية وهي الموهبة والتكنولوجيا والتسامح. حيث الموهبة تشير إلى قوة عاملة متعلمة وماهرة عالية؛ والتكنولوجيا إلى وجود مهارات بحثية في مجالات التكنولوجيا والابتكار؛ ويعبر التسامح إلى الانفتاح الاجتماعي تجاه التنوع، بما في ذلك الأقليات العرقية والمهاجرين وغيرهم. ويجادل فلوريدا بأن المدن التي تحصل على درجات عالية في جميع الأبعاد الثلاثة هي الأفضل في وضع النمو الاقتصادي. ويؤكد بأن المجتمعات المنفتحة والمتنوعة هي الأكثر نمواً. ويشير إلى أهمية “جودة المكان” ونمط الحياة الحضرية كاستراتيجية للمدن الاقتصادية. وباختصار فقد حولت نظرياته تركيز التخطيط الحضري العمراني من التنافسية الصناعية إلى الاستثمار في رأس المال البشري والبيئة الثقافية.

 

وهنا تجدر الإشارة على أهمية جذب وتسكين الطبقة الإبداعية لكونها تحق مجموعة من المكاسب ومنها:

  1. النمو والابتكار: فهي تخلق شركات ناشئة تنوع الاقتصاد بعيجاً على الصناعات التقليدية.
  2. الجاذبية العالمية: تعزيز العلامة التجارية للمدينة كمركز ثقافي وتقني يعمل على جذب الاستثمارات.
  3. التجديد الحضري: تعمل الطبقة الإبداعية على احياء المناطق المهملة وتحويلها إلى عقد اقتصادية نشطة.
  4. تبادل المعرفة: إن توسيع الطبقة الإبداعية يحفز الابتكار وتبادل الخبرات والتنافسية ويتقاطع بين التكنولوجيا والثقافة.

 

إلا أنه ومع الأسف، تتبنى الكويت حالياً سياسات تسير عكس تيار الانفتاح العالمي، من خلال خلق بيئة طاردة تفتقر للمرونة وتتخلى عن موروثها في التسامح والتعددية. وبدلاً من تعزيز سياسات الاستبقاء والاستقطاب للعقول المبدعة، نجد توجهاً يقلل من قيمة التنوع ويُفرط في الكفاءات المتاحة. ونأمل أن يعاد النظر في هذا التوجه في ظل سيادة القانون والحقوق والسماحة التي عرفت الكويت باحترامها.

 

وفي ظل التنافس العالمي على المواهب يصبح لزاماً علينا تهيئة بيئة تشريعية وحضرية متكاملة تضمن تحويل الوافد المبدع إلى شريك مساهم في النهضة بما يضمن استدامة الازدهار وخلق فرصاً نوعية للأجيال القادمة.

من المستهلك إلى المُعَمِّر: رؤية جميل أكبر للمدن المنتجة

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 253 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 15 يناير 2026
الرابط الدائم لـِ من المستهلك إلى المُعَمِّر: رؤية جميل أكبر للمدن المنتجة

 

“يوتوبيا تلوح في الأفق. عندما أقترب بخطوتين، تتراجع خطوتين. إذا تقدمت عشر خطوات للأمام، فإنها تنزلق بسرعة إلى الأمام عشر خطوات. مهما ذهبت، لا أستطيع الوصول إليها. فما هو الهدف من المدينة الفاضلة إذاً؟ بل لجعلنا نتقدم.”

  • إدواردو جاليانو

 

من المفيد أحيانا اللجوء للأفكار الراديكالية والمتطرفة. إن هذه الأفكار التي تتحدى المألوف وتحفز الفكر وتعرض حلولاً ربما لم تكن متخيله. وبصرف النظر عن مدى إمكانية تطبيق هذه الأفكار الجريئة إلا أنها مفيدة ولو بصناعة تأثير إيجابي بسيط. وغالباً ما يقترن تخطيط المدن بالخيال والحلم، لأنه يقدم تصورات عملاقة تعرض حلولاً لتغيير حيوات الناس وتقديم نماذج بديلة.

 

وإكمالاً لموضوع المدن المنتجة، رأيت أنه من الضروري عرض أفكار المفكر العمراني د. جميل أكبر. والذي يبذل مجهودات كبيرة في مجالات العمران ويسعى لتقديم رؤية جديدة مستقاة من الثقافة الإسلامية يتحدى بها الوضع السائد. وتعالج أفكاره ما هو أبعد من الشكل العمراني إلى مناهج السياسة والإدارة العامة للدولة والناس. الدكتور جميل عبد القادر أكبر هو من أولئك الذين يطرحون أفكاراً كبيرة، ويعمل بصدق ومثابرة لنشرها والذود عنها. وهو أستاذ العمارة والتخطيط بجامعة الملك فيصل ومؤلف كتاب “عمارة الأرض في الإسلام” والكتاب الكبير “قص الحق”.

 

ومفهوم الإنتاجية والعمل عند الدكتور جميل أكبر يتجاوز المعنى الوظيفي التقليدي أي الوظيفة والراتب؛ فهو يربطه جذرياً بمفاهيم الملكية، والحرية، وعمارة الأرض. ففي نظريته، يجعل العمل هو الأداة الوحيدة المشروعة لاكتساب الحقوق، وهو المحرك الأساسي للديناميكية العمرانية التي فقدناها في مدننا الحديثة.

 

يؤكد د. جميل على المبدأ الفقهي “من أحيا أرضاً ميتة فهي له”. وفي هذا السياق يصبح العمل (الإحياء) هو العملة الحقيقية التي يشتري بها الإنسان حقه في الملكية، وليست الأموال أو المنح الحكومية فقط. ففي النظام التقليدي فإن الفرد يبذل “عملاً” كبناء سور، أوحفر بئر، أو زراعة فيكتسب ملكية. هذا العمل كان إنتاجياً ومباشراً. أما في النظام الحديث، فقد استُبدل العمل المباشر بالاقتراض من البنوك أو الانتظار على قوائم الإسكان أو المضاربة، مما جعل العلاقة بين الإنسان والأرض علاقة منفعة مؤقتة لا علاقة كدح وإنتاج.

 

يرى أكبر أن العمل الحقيقي هو قدرة الإنسان على تغيير بيئته. فعندما يقوم الساكن بفتح نافذة، أو بناء غرفة إضافية، أو تنظيف الفناء المشترك مع جيرانه، فهو يمارس عملاً. أما التخطيط الحديث فقد سلب هذا النوع من العمل وحوله إلى عمل بيروقراطي. فعوضاً أن يبذل الساكن طاقته في البناء أي (عمل منتج) بحسب تعبير الدكتور، أصبح يبذل طاقته في استخراج التراخيص ومطاردة الاستثناءات في أعمال غير منتج وجهود مهدورة.

 

في كتابه الضخم “قص الحق”، يتوسع د. جميل في نقد مفهوم العمل في الدولة الحديثة المتمثلة في دولة الرفاه أو الدولة الريعية. فمن جهة هو يرى بأن العمل الحكومي أصبح ما يشبه العمل الوهمي.  وينتقد تضخم الأجهزة الحكومية بموظفين وظيفتهم الأساسية هي منع الناس من العمل أو التصرف في أملاكهم. ويرى أن هذا يستهلك موارد الأمة دون أن ينتج قيمة حقيقية، بل يعيق الإنتاج.

 

ويؤكد د. جميل بأن المجتمع يكون منتجاً عندما تُزال العوائق والأنظمة المفرطة من أمام الناس، ليتمكنوا من العمل في بيئاتهم ومشاريعهم الصغيرة بحرية ومسؤولية. وهو بذلك يدعو لتفعيل آلية “لا ضرر ولا ضرار” بدلاً من آلية “ممنوع إلا بتصريح”.

 

فالعمل عند د. جميل أكبر هو فعل الحرية المسؤول. أي أن يتاح للإنسان حق التصرف في محيطه وبيئته وأرضه وتجارته بحرية، مقيدة فقط بعدم الإضرار بالآخرين. وعندما يُمنع الإنسان من ذلك عبر القوانين الجامدة، يتحول من منتج ومُعَمِّر للأرض إلى مستهلك وعالة ينتظر من الدولة أن تعمل نيابة عنه.

 

يرى الدكتور جميل أن أنظمة التخطيط الحديثة الغربية المنشأ التي طُبقت في مدننا جردت الإنسان من قدرته على الفعل والتأثير في بيئته العمرانية. فعلى سبيل المثال في الماضي كان الساكن يشارك في بناء بيئته، يقرر شكل مبناه بالاتفاق مع جيرانه، فكان الفرد منتجاً للعمران. أما الآن فقد أصبح الساكن مجرد مستهلك لمنتجات عقارية جاهزة كالفيلات والشقق، صممتها الدولة أو المطورون العقاريون بقوانين صارمة كتحديد الارتدادات وارتفاعات ونسب البناء وغيرها، والتي لا تسمح له بالتغيير. هذا التحول خلق حالة من السلبية وعدم الانتماء.

 

إن من أهم أفكار د. جميل بأنه “بقدر ما تملك من حق التحكم، بقدر ما تتحمل من مسؤولية”.  فعندما تسحب الدولة أو البلدية حق التحكم في الفراغات الخارجية الشوارع، الأرصفة، الحدائق) من السكان، فإنها تسحب معها المسؤولية ويصبح الساكن غير معني بنظافة الشارع أو صيانته لأنه ملك للدولة. ويؤدي ذلك إلى استهلاك هائل للموارد العامة، حيث تضطر الدولة لصرف مبالغ طائلة على الصيانة والنظافة والأمن، وهي أمور كانت تتم تلقائياً وبكلفة شبه معدومة في الأحياء التقليدية، لأن السكان كانوا يملكون حق التحكم في البناء والشارع.

 

يربط د. جميل بين غياب المسؤولية الفردية وبين نمو النزعة الاستهلاكية. فعندما تتحكم الجهات المركزية في كل شيء، يميل الأفراد إلى التنافس في المظاهر المتمثلة في واجهات المنازل والسيارات وغيرها، بدلاً من التنافس في تحسين جودة الحياة المجتمعية. وتصبح المدينة عبارة عن مجموعة من المستهلكين المعزولين الذين يعتمدون كلياً على الأنظمة الميكانيكية تكييف وسيارات بدلاً من الحلول البيئية والعمرانية الطبيعية.

 

يرى الدكتور. جميل أكبر بأن المشكلة الحضرية ليست مشكلة اقتصادية بحتة، بل هي مشكلة حقوقية وتنظيمية. هو يشرح أننا لن نستطيع تعظيم الإنتاجية وترشيد الاستهلاك الطاقة أو الموارد أو حتى صيانة المدن إلا إذا أعدنا حق التحكم للناس في بيئاتهم المباشرة، ليعودوا معمّرين للأرض لا مجرد مستهلكين لها.

 

قد يرى البعض أن أفكار د. جميل غير قابلة للتطبيق، ويصفها آخرون بأنها يوتوبيا أو مثالية يصعب تحقيقها، كما قد يُؤخذ عليها ميلٌ إلى الماضي ونزعة سلفية ذات طابع علمي بحت. غير أن قيمتها الحقيقية تكمن في استلهامها من الثقافة الإسلامية، وتقديمها نماذج ذكية ومحفّزة للفكر. إنها أفكار قيمة تكسر رتابة المناهج السائدة، وتفتح آفاقاً للتأمل والمراجعة، وربما تدفع نحو التغيير والتحوّل ولو بخطوات محدودة.

إعادة التفكير في الإنتاجية الحضرية: من الاغتراب إلى الحياة الأصيلة

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 210 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 30 ديسمبر 2025

يواجه التخطيط الحضري اليوم تحدٍ كبير وهو إقامة مدن تعزز الإنتاجية بدون الخضوع للاغتراب الذي يطغى على النموذج الرأسمالي. وإن الحل يكمن في تحقيق أمرين – تعزيز الهوية المحلية وتمكين حرية الأفراد لبناء بيئات حضرية تزدهر فيها حياة الناس.

 

لقد أصبحت مدننا مراكز للاستهلاك لا الإنتاج، وأصبحت مراكز للأنشطة الاقتصادية التي تستخلص بدلاً من أن تضيف قيمة. ومع حاجتنا لتحويل مددنا لمراكز انتاجية، لا نريد أن نتبنى النموذج الرأسمالي الذي ينظر للعمل كغاية قصوى والإنتاجية كهدف أسمى. عوضاَ عن ذلك نريد مدن تساعد على تنمية البشر وتحقق رخائهم الجماعي.

 

عرّف كارل ماركس كيف أصبح العمّال منفصلون عما ينتجوه. وقام المفكر الفرنسي هنري لوفيفر (1901-1991) لاحقا ًبتوسيع هذا المنظور، ووضّح أن الحياة الحديثة قامت بمأسسة هذا الاغتراب حتى اشتمل على كافة مناحي الحياة بما في ذلك العمل والترفيه واللذان أصبحا متناظرين مع نظام السيطرة التامة على الحياة. فالفرد أصبح يعمل تحت ظروف اغترابيه ومن ثم يستهلك بطرق تعده بالحرية بينما كل ما تقدمه له هو إلهاء مؤقت.  وهذا يخلق حلقة مغلقة من العمل والاستهلاك تترك مساحة صغيرة جداً للتعبير الإنساني الأصيل.

 

إن الاغتراب يغرق الحياة الحضرية في أنظمة محكمة، أسبوع العمل من الاحد إلى الخميس ويوم العمل من الثامنة وحتى الخامسة، والأنظمة البيروقراطية، والتي تحدد ليس فقط متى نعمل بل كيف نعيش. إن هذه الأنظمة تحد من فرص التجارب والنمو والتفاعل الأصيل مع البيئة.

 

بينما كل مدينة تمتلك خصائص جغرافية وثقافية وتاريخية والتي يمكنها أن تخلق أساليب حياة فريدة. وإن تعزيز الهوية المحلية بمعناها الواسع تحقق مكاسب كثيرة تفوق المكاسب الاقتصادية. إنها توفر علاقة سيكولوجية بالمكان وحس بالانتماء وتحول العمل من علاقة تبادلية إلى استثمار بالمستقبل المشترك.

 

وحيث أن الاهتمام بالهوية لوحده ممكن أن يتحول إلى تقاليد مقيدة. فإن المدن يجب أن تضم فراغات فيزيقية وزمانية ونظامية تسمح للأفراد للتجربة والتعلم والنمو. وهذا يعني تفكيك الأطر الصلبة التي باتت تحكم الحياة الحضرية.

 

بعض المدن تصدرت هذا الميدان، وتحولت إلى نماذج مرنة من أسابيع وأيام العمل. وأدركت بأن التواجد لا يعني الإنتاجية بالضرورة، ووفرت خيارات تحرر الأفراد من المحددات الجغرافية والزمانية. وهذه ليست فقط إصلاحات في قوانين العمل وإنما إعادة تفكير في كيفية تحكم الوقت في الحياة الحضرية.

 

إن الهدف ليس خلق مزيداً من الوظائف فقط، ولكن خلق فرص تعزز الإمكانات وتربط العقول وتساهم في تعزيز الرفاه العام. إن هذا يتطلب تخفيف الحواجز البيروقراطية التي تعيق الابداع، ويتطلب تصميم البيئة الحضرية لتشجيع التعاون والتبادل الإبداعي والذي يدعم النماذج الاقتصادية المتنوعة والتي تتجاوز الأطر التجارية المتعارف عليها. ومنها المؤسسات التعاونية والأعمال الخيرية ومؤسسات النفع العام وغيرها من النماذج التي توزع السلطة بطريقة عادلة.

 

إن المدن اليوم تحتاج أن تتنافس على استقطاب ذوي المهارات وجذب الاستثمارات وعلى التأثير. وإن هذا التنافس قد يقود إلى التدمير أو إلى تحول ملهم في تنظيم الحياة العامة. إن الاختلاف يكمن فيما نطمح له. إذا تنافسنا على المعايير التقليدية كالناتج المحلي ومعدل التوظيف وقيمة العقار سوف نخلق نظام اغترابي. ولكن إذا تنافسنا على جودة الحياة والوظائف ذات المعنى، والتنمية البشرية سوف نصنع حوافز للتقدم الأصيل. المدن التي تزدهر سوف تجذب اشخاص ليس بوعد الثراء فقط، وإنما بفرص لتحقيق الذات، وتهبهم الحرية لإنجاز مشاريع ذات معنى، وبنى تحتية تدعم التجارب، ومجتمعات تجعل من العمل تجربة مجدية.

 

إن الجمع بين الهوية والحرية يوفر لنا مساراً للمستقبل. إن الهوية الفريدة توفر الأساس لفرص المكان. و الحرية توفر الدافع للبحث والاستكشاف دون قيود. نحن نقف على لحظة فارقة. وإن التحول الاقتصادي والوعي بمحدودية النماذج الرأسمالية توفر فرصاً لتبني نموذج بديل. وإن المدن الإنتاجية المستقبلية ستقاس ليس فقط بمخرجاتها الاقتصادية وإنما بغنى الحياة التذي تمكنه.

ما بعد الاستهلاك: دروس برشلونة لمستقبل الكويت الحضري

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 158 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 6 ديسمبر 2025
الرابط الدائم لـِ ما بعد الاستهلاك: دروس برشلونة لمستقبل الكويت الحضري

ضمن التدوينة السابقة، ناقشت أهمية التخطيط لمدن الكويت الجديدة كمحركات للإنتاجية بدلا من الاستهلاك. ولفهم كيف يمكن تحقيق هذا التحول، يمكننا النظر إلى المدن التي حولت مزاياها الفريدة وخلقت نتائج ملموسة. وهنا تعد مدينة برشلونة نموذجا فريداً، حيث يبرز التفاعل بين الإبداع والهوية الثقافية والنجاح الاقتصادي.

 

إن صعود مدينة برشلونة كمركز ثقافي عالمي هو نتاج التخطيط الاستراتيجي، والإرث التاريخي، والاستثمار المستمر في الفنون والهوية والفضاء العام. لقد وضع أساس هذا التحول في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عندما شهدت المدينة نمواً صناعياً سريعاً وازدهاراً ثقافياً يعرف باسم رينايشينسا، الذي أعاد إحياء اللغة الكتالونية والفنون المحلية والحياة الفكرية. وقد أنتجت هذه الفترة عمارة حداثية أيقونية – وأبرزها أعمال أنطوني غاودي – مما منح برشلونة جمالية واضحة وهوية ثقافية مميزة.

 

وبعد عقود من القمع السياسي، استغلت برشلونة الانتقال الديمقراطي في أواخر السبعينيات كفرصة لإعادة تعريف نفسها. واستغلت المدينة دورة الألعاب الأولمبية لعام 1992 كنقطة تحول كبير. حيث استخدمت المدينة البطولة ليس فقط كحدث رياضي، بل كاستراتيجية شاملة للتحول الحضري والثقافي. فقد جددت الواجهة البحرية، وأنشأت مساحات عامة جديدة، وحسنت وسائل النقل العام، واستثمرت المدينة بشكل كبير في المرافق الثقافية. وقد جعل هذا التجديد مدينة برشلونة نموذجاً لصناعة الهوية الخاصة.

 

وبالتوازي مع ذلك، رعت المدينة الصناعات الإبداعية، ومنها التصميم والعمارة والموسيقى والفنون البصرية – من خلال دعم الاستوديوهات الصغيرة والمهرجانات والمؤسسات الثقافية. وقد ساهمت مؤسسات مثل متحف بيكاسو، ومتحف الفن المعاصر (MACBA)، ومجمع قاعة الحفلات الموسيقية L’Auditori في تنويع العروض والاسهامات الثقافية إلى ما هو أبعد من السياحة.

 

كما روجت برشلونة لثقافة الشارع النابضة بالحياة. وأصبحت ساحاتها وممراتها ومساراتها ومساحاتها العامة مسرحاً للتبادل الثقافي اليومي، مما جعل المدينة تبدو حية ثقافياً حتى بدون فعاليات رسمية. إن مهرجانات مثل لا ميرسي، وهو مهرجان ثقافي وديني، ومهرجان سونار المكرس للموسيقى والإبداع والتكنولوجيا، وضعت برشلونة أكثر مركزاً للتقاليد العريقة والابتكار العصري.

وأخيرا، سوقت المدينة نفسها عالمياً كوجهة متوسطية منفتحة ومبدعة. وركزت سرديتها على نمط الحياة، والإبداع، والتصميم، والجودة الحضرية – مما يجذب الفنانين ورواد الأعمال وملايين الزوار. فمن خلال التراث، والتجديد الحضري، والاستثمار الثقافي، وصناعة الهوية القوية، نجحت برشلونة في إثبات نفسها كواحدة من العواصم الثقافية الرائدة في العالم.

 

وهنا نعيد التأكيد بأن الأسس لتحول مدن الكويت موجودة بالفعل – فهي ذات حجم يمكن التحكم فيه، وتركيز ديموغرافي، وموارد وفيرة، وسكان ذوي رؤية. مع هذه المزايا، يمكن للكويت تكييف استراتيجيات برشلونة المثبتة لتطوير مدنها الجديدة إلى مراكز نابضة بالحياة تزدهر فيها الإنتاجية الاقتصادية والديناميكية الثقافية.