الرئيسية » مقالات / مغناطيسات لا جدران: رؤية لمراكز الخليج المنتجة

مغناطيسات لا جدران: رؤية لمراكز الخليج المنتجة

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 117 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 10 فبراير 2026

تسعى سلسة المقالات هذه لصياغة رؤية لتحويل الكويت ومدن الخليج إلى مراكز إنتاجية. وادعو في هذا المقال إلى تتببين دور الطبقة الإبداعية في احداث هذا التحول الحيوي. وحيث لا يمكن إنجاز هذا التحول دون الانتقال من النموذج السائد والعشوائي في استقطاب العمالة الوافدة إلى نموذج جديد يعمل على استهداف جذب الطبقة الإبداعية. يجب أن ندرك بأن الاعتماد التاريخي على العمالة الوافدة خلق فجوات بنوية، حيث تهيمن العمالة الهامشية محدودة المهارة على سوق العمل، ويتزاحم المواطنون والوافدون المهنيون على الوظائف الوسيطة. وحيث تعيق القوانين القائمة جذب أو حتى استبقاء الكفاءات الطموحة.

 

وبعد عقود من قيام الدولة الحديثة في الكويت ودول الخليج، وبعد النضج المؤسسي وتأصيل الهوية الوطنية، فقد تهيأت الظروف لتبني سياسات انفتاحيه لتحرير الاقتصاد وافساح مجالات أوسع للأفراد والكيانات الوافدة للمشاركة في تعزيز الاقتصاد المحلي بشكل نوعي.

 

وأشير هنا إلى أهمية أفكار المفكر الأمريكي العمراني والاقتصادي ريتشارد فلوريدا Richard Florida والذي اشتهر في نظريته حول “الطبقة الإبداعية” ودورها في رفع الحظوظ الاقتصادية للمدن. والتي سردها في كتابه المؤثر (صعود الطبقة المبدعة -2002). ويعرّف فلوريدا “الطبقة الإبداعية” بانها القوى العاملة التي تعتمد في وظيفتها على انتاج الأفكار والمعرفة معتبراً الابداع وليس الصناعة التقليدية هو المحرك الأساسي للاقتصاد الحديث. ويستند حجة فلوريدا على أن المدن الآن تتنافس لجذب المواهب البشرية قبل الشركات، وأن الشركات باتت تتبع الأفراد الموهوبين إلى حيث يفضلون العيش.

 

يقترح فلوريدا لتحقيق جذب المواهب إطار التاءات الثلاثة (3Ts) للتنمية الحضرية وهي الموهبة والتكنولوجيا والتسامح. حيث الموهبة تشير إلى قوة عاملة متعلمة وماهرة عالية؛ والتكنولوجيا إلى وجود مهارات بحثية في مجالات التكنولوجيا والابتكار؛ ويعبر التسامح إلى الانفتاح الاجتماعي تجاه التنوع، بما في ذلك الأقليات العرقية والمهاجرين وغيرهم. ويجادل فلوريدا بأن المدن التي تحصل على درجات عالية في جميع الأبعاد الثلاثة هي الأفضل في وضع النمو الاقتصادي. ويؤكد بأن المجتمعات المنفتحة والمتنوعة هي الأكثر نمواً. ويشير إلى أهمية “جودة المكان” ونمط الحياة الحضرية كاستراتيجية للمدن الاقتصادية. وباختصار فقد حولت نظرياته تركيز التخطيط الحضري العمراني من التنافسية الصناعية إلى الاستثمار في رأس المال البشري والبيئة الثقافية.

 

وهنا تجدر الإشارة على أهمية جذب وتسكين الطبقة الإبداعية لكونها تحق مجموعة من المكاسب ومنها:

  1. النمو والابتكار: فهي تخلق شركات ناشئة تنوع الاقتصاد بعيجاً على الصناعات التقليدية.
  2. الجاذبية العالمية: تعزيز العلامة التجارية للمدينة كمركز ثقافي وتقني يعمل على جذب الاستثمارات.
  3. التجديد الحضري: تعمل الطبقة الإبداعية على احياء المناطق المهملة وتحويلها إلى عقد اقتصادية نشطة.
  4. تبادل المعرفة: إن توسيع الطبقة الإبداعية يحفز الابتكار وتبادل الخبرات والتنافسية ويتقاطع بين التكنولوجيا والثقافة.

 

إلا أنه ومع الأسف، تتبنى الكويت حالياً سياسات تسير عكس تيار الانفتاح العالمي، من خلال خلق بيئة طاردة تفتقر للمرونة وتتخلى عن موروثها في التسامح والتعددية. وبدلاً من تعزيز سياسات الاستبقاء والاستقطاب للعقول المبدعة، نجد توجهاً يقلل من قيمة التنوع ويُفرط في الكفاءات المتاحة. ونأمل أن يعاد النظر في هذا التوجه في ظل سيادة القانون والحقوق والسماحة التي عرفت الكويت باحترامها.

 

وفي ظل التنافس العالمي على المواهب يصبح لزاماً علينا تهيئة بيئة تشريعية وحضرية متكاملة تضمن تحويل الوافد المبدع إلى شريك مساهم في النهضة بما يضمن استدامة الازدهار وخلق فرصاً نوعية للأجيال القادمة.

+ وسوم الموضوع :

إكتب تعليقك