الرئيسية » مقالات / من المستهلك إلى المُعَمِّر: رؤية جميل أكبر للمدن المنتجة

من المستهلك إلى المُعَمِّر: رؤية جميل أكبر للمدن المنتجة

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 252 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 15 يناير 2026

 

“يوتوبيا تلوح في الأفق. عندما أقترب بخطوتين، تتراجع خطوتين. إذا تقدمت عشر خطوات للأمام، فإنها تنزلق بسرعة إلى الأمام عشر خطوات. مهما ذهبت، لا أستطيع الوصول إليها. فما هو الهدف من المدينة الفاضلة إذاً؟ بل لجعلنا نتقدم.”

  • إدواردو جاليانو

 

من المفيد أحيانا اللجوء للأفكار الراديكالية والمتطرفة. إن هذه الأفكار التي تتحدى المألوف وتحفز الفكر وتعرض حلولاً ربما لم تكن متخيله. وبصرف النظر عن مدى إمكانية تطبيق هذه الأفكار الجريئة إلا أنها مفيدة ولو بصناعة تأثير إيجابي بسيط. وغالباً ما يقترن تخطيط المدن بالخيال والحلم، لأنه يقدم تصورات عملاقة تعرض حلولاً لتغيير حيوات الناس وتقديم نماذج بديلة.

 

وإكمالاً لموضوع المدن المنتجة، رأيت أنه من الضروري عرض أفكار المفكر العمراني د. جميل أكبر. والذي يبذل مجهودات كبيرة في مجالات العمران ويسعى لتقديم رؤية جديدة مستقاة من الثقافة الإسلامية يتحدى بها الوضع السائد. وتعالج أفكاره ما هو أبعد من الشكل العمراني إلى مناهج السياسة والإدارة العامة للدولة والناس. الدكتور جميل عبد القادر أكبر هو من أولئك الذين يطرحون أفكاراً كبيرة، ويعمل بصدق ومثابرة لنشرها والذود عنها. وهو أستاذ العمارة والتخطيط بجامعة الملك فيصل ومؤلف كتاب “عمارة الأرض في الإسلام” والكتاب الكبير “قص الحق”.

 

ومفهوم الإنتاجية والعمل عند الدكتور جميل أكبر يتجاوز المعنى الوظيفي التقليدي أي الوظيفة والراتب؛ فهو يربطه جذرياً بمفاهيم الملكية، والحرية، وعمارة الأرض. ففي نظريته، يجعل العمل هو الأداة الوحيدة المشروعة لاكتساب الحقوق، وهو المحرك الأساسي للديناميكية العمرانية التي فقدناها في مدننا الحديثة.

 

يؤكد د. جميل على المبدأ الفقهي “من أحيا أرضاً ميتة فهي له”. وفي هذا السياق يصبح العمل (الإحياء) هو العملة الحقيقية التي يشتري بها الإنسان حقه في الملكية، وليست الأموال أو المنح الحكومية فقط. ففي النظام التقليدي فإن الفرد يبذل “عملاً” كبناء سور، أوحفر بئر، أو زراعة فيكتسب ملكية. هذا العمل كان إنتاجياً ومباشراً. أما في النظام الحديث، فقد استُبدل العمل المباشر بالاقتراض من البنوك أو الانتظار على قوائم الإسكان أو المضاربة، مما جعل العلاقة بين الإنسان والأرض علاقة منفعة مؤقتة لا علاقة كدح وإنتاج.

 

يرى أكبر أن العمل الحقيقي هو قدرة الإنسان على تغيير بيئته. فعندما يقوم الساكن بفتح نافذة، أو بناء غرفة إضافية، أو تنظيف الفناء المشترك مع جيرانه، فهو يمارس عملاً. أما التخطيط الحديث فقد سلب هذا النوع من العمل وحوله إلى عمل بيروقراطي. فعوضاً أن يبذل الساكن طاقته في البناء أي (عمل منتج) بحسب تعبير الدكتور، أصبح يبذل طاقته في استخراج التراخيص ومطاردة الاستثناءات في أعمال غير منتج وجهود مهدورة.

 

في كتابه الضخم “قص الحق”، يتوسع د. جميل في نقد مفهوم العمل في الدولة الحديثة المتمثلة في دولة الرفاه أو الدولة الريعية. فمن جهة هو يرى بأن العمل الحكومي أصبح ما يشبه العمل الوهمي.  وينتقد تضخم الأجهزة الحكومية بموظفين وظيفتهم الأساسية هي منع الناس من العمل أو التصرف في أملاكهم. ويرى أن هذا يستهلك موارد الأمة دون أن ينتج قيمة حقيقية، بل يعيق الإنتاج.

 

ويؤكد د. جميل بأن المجتمع يكون منتجاً عندما تُزال العوائق والأنظمة المفرطة من أمام الناس، ليتمكنوا من العمل في بيئاتهم ومشاريعهم الصغيرة بحرية ومسؤولية. وهو بذلك يدعو لتفعيل آلية “لا ضرر ولا ضرار” بدلاً من آلية “ممنوع إلا بتصريح”.

 

فالعمل عند د. جميل أكبر هو فعل الحرية المسؤول. أي أن يتاح للإنسان حق التصرف في محيطه وبيئته وأرضه وتجارته بحرية، مقيدة فقط بعدم الإضرار بالآخرين. وعندما يُمنع الإنسان من ذلك عبر القوانين الجامدة، يتحول من منتج ومُعَمِّر للأرض إلى مستهلك وعالة ينتظر من الدولة أن تعمل نيابة عنه.

 

يرى الدكتور جميل أن أنظمة التخطيط الحديثة الغربية المنشأ التي طُبقت في مدننا جردت الإنسان من قدرته على الفعل والتأثير في بيئته العمرانية. فعلى سبيل المثال في الماضي كان الساكن يشارك في بناء بيئته، يقرر شكل مبناه بالاتفاق مع جيرانه، فكان الفرد منتجاً للعمران. أما الآن فقد أصبح الساكن مجرد مستهلك لمنتجات عقارية جاهزة كالفيلات والشقق، صممتها الدولة أو المطورون العقاريون بقوانين صارمة كتحديد الارتدادات وارتفاعات ونسب البناء وغيرها، والتي لا تسمح له بالتغيير. هذا التحول خلق حالة من السلبية وعدم الانتماء.

 

إن من أهم أفكار د. جميل بأنه “بقدر ما تملك من حق التحكم، بقدر ما تتحمل من مسؤولية”.  فعندما تسحب الدولة أو البلدية حق التحكم في الفراغات الخارجية الشوارع، الأرصفة، الحدائق) من السكان، فإنها تسحب معها المسؤولية ويصبح الساكن غير معني بنظافة الشارع أو صيانته لأنه ملك للدولة. ويؤدي ذلك إلى استهلاك هائل للموارد العامة، حيث تضطر الدولة لصرف مبالغ طائلة على الصيانة والنظافة والأمن، وهي أمور كانت تتم تلقائياً وبكلفة شبه معدومة في الأحياء التقليدية، لأن السكان كانوا يملكون حق التحكم في البناء والشارع.

 

يربط د. جميل بين غياب المسؤولية الفردية وبين نمو النزعة الاستهلاكية. فعندما تتحكم الجهات المركزية في كل شيء، يميل الأفراد إلى التنافس في المظاهر المتمثلة في واجهات المنازل والسيارات وغيرها، بدلاً من التنافس في تحسين جودة الحياة المجتمعية. وتصبح المدينة عبارة عن مجموعة من المستهلكين المعزولين الذين يعتمدون كلياً على الأنظمة الميكانيكية تكييف وسيارات بدلاً من الحلول البيئية والعمرانية الطبيعية.

 

يرى الدكتور. جميل أكبر بأن المشكلة الحضرية ليست مشكلة اقتصادية بحتة، بل هي مشكلة حقوقية وتنظيمية. هو يشرح أننا لن نستطيع تعظيم الإنتاجية وترشيد الاستهلاك الطاقة أو الموارد أو حتى صيانة المدن إلا إذا أعدنا حق التحكم للناس في بيئاتهم المباشرة، ليعودوا معمّرين للأرض لا مجرد مستهلكين لها.

 

قد يرى البعض أن أفكار د. جميل غير قابلة للتطبيق، ويصفها آخرون بأنها يوتوبيا أو مثالية يصعب تحقيقها، كما قد يُؤخذ عليها ميلٌ إلى الماضي ونزعة سلفية ذات طابع علمي بحت. غير أن قيمتها الحقيقية تكمن في استلهامها من الثقافة الإسلامية، وتقديمها نماذج ذكية ومحفّزة للفكر. إنها أفكار قيمة تكسر رتابة المناهج السائدة، وتفتح آفاقاً للتأمل والمراجعة، وربما تدفع نحو التغيير والتحوّل ولو بخطوات محدودة.

+ وسوم الموضوع :

إكتب تعليقك