الرفاهية الهشة: ملاحظات حضرية
مصنف فى :مقالاتبعد واحد وعشرين يوما من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ومع استهداف الضربات الانتقامية الإيرانية لدول مجلس التعاون الخليجي، تستمر الحياة هنا بحالة طبيعية ومقلقة في ذات الوقت. صفارات الإنذار تدوي، والأخبار تدور، ومع ذلك تبقى الشوارع مشغولة والروتين كما هو. لكن ما تكشفه هذا اللحظة بهدوء هو حقيقة واحدة غير سارة، نــحن نعيش رفاهية هشة.
لقد تضاعف تعداد سكان المنطقة أكثر من أربعين ضعفاً خلال الـ 60 عاماً الماضية؛ فقد أنشأت دول مجلس التعاون الخليجي مدناً عالمية المستوى ذات طموح استثنائي، تضم بنية تحتية فائقة، وطاقة وفيرة، ومناظر حضرية تنافس أي مدينة على وجه الأرض. ولكن خلف هذا الازدهار هناك نقاط ضعفٍ عميقة. فمازالت محطات التحلية المصدر الوحيد للمياه لملايين الأشخاص؛ وبينما يخيم الآن التهديد الحقيقي لتخريب البنية التحتية الحيوية. فالدرس الذي أصبح من الصعب تجاهله أن المدينة يجب أن تنمو فقط بقدر حجم خزاناتها المائية الطبيعية!
من الملاحظ بأن المعارضة الإقليمية للحرب تتزايد، تحملها مشاعر قومية عميقة تتدفق تجاه أي كيان يقف ضد النظام الإسرائيلي. وقد أدى هذه الوضع إلى خلق حالة توتر مع بعض الوافدين العرب. ومع بدء المغتربين من ذوي المهارات العالية في الفرار من المنطقة بهدوء، يجدر بمدن الخليج إعادة النظر في هيكلة سوق العمل. نعم المهاجرون نعمة، ولكن الهجرة كبديل للتنمية الديموغرافية الحقيقية هي نقطة ضعف تكشفها الحرب الآن بدقة.
ومن المدهش كذلك، أن العمران منخفض الكثافة في مدن مجلس التعاون والذي تعرض للنقد لوقت طويل يثبت ميزة غير متوقعة. فالمدن الممتدة والسكان المتفرقين تعني أن الصواريخ والطائرات بدون طيار تحمل حسابات دمار مختلفة وتقل عمّا هي عليه في مدن مكتظة. فالكثافة العالية ممتازة، إلا في حالات الحرب !
وفي من جانبٍ آخر، وأثناء قيادتي على الطريق الدائري الأول مؤخراً، صادفت مشهداً مؤلماً لبرج مقر المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وقد تعرض لدمار نتيجة تعرضه لشظايا أو ضربة. إن منظر البرج المتضرر كان مؤلماً جداً. وإنه يعلن عن تناقضا حاداً مع طموحات منطقة عُرفت عالمياً بتفوقها بصناعة المعالم المعمارية وتحقيق الارتفاعات. إلا انه في زمن الحرب، البرج ليس معلماً، بل هو هدف. والعمل أو السكن فيه يعتبر أكثر خطورة، وهو يشكل تحدي لفرق المكافحة والطوارئ. ففي وقت الحرب، اتضح أن الأبراج عبء عديم الفائدة.
التكنولوجيا أيضا أظهرت حدودها. كانت ومازالت التطبيقات ومنصات الدفع والتخزين السحابي ووسائل الراحة الرقمية التي اعتمدنا عليها بحماس، تعتمد كلياً على الاستقرار، وليست أساساً بحد ذاتها. وفي اللحظة التي اندلع فيها الصراع، أصبح هذا التمييز واضحاً جداً. أثناء الطوارئ لا يمكن الاعتماد على التكنولوجيا فقط !
ما تذكرنا به الحرب بشكل واضح، هو الإنسان. ففي أوقات الأزمات نتذكر أننا بحاجة إلى الناس وليس إلى المنصّات. نــحتاج إلى الجار الذي يشاركنا سماع نفس صفارات الإنذار واحياناً نفس الباب والسلم. فالعلاقة الوطيدة تصبح أكثر قيمة من أي شبكة رقمية. والحي، تلك الوحدة الأقدم للاستيطان البشري، يعيد تأكيد نفسه كشيء لا يمكن لأي تطبيق الكتروني تقليده. تذكرك الحرب بأن تتعرف على جارك !
وأخيرا، تعيد الحرب حتى وعينا بالسكن. وأهمية سهولة الوصول للخدمات والمركزية، وهذه المعايير كانت في السابق ثانوية أمام الشكل والحجم. إن المركزية تظهر كوسيلة للبقاء. وفي أثناء الحرب، الموقع الجيد لم يعد يتعلق بالطموح. بل بالقدرة على الحركة، والوصول، والتحمل.
في الختام، الحرب تعيد المدن إلى جوهرها وتجبرنا على مواجهة ما اعتبرناه أمرا مسلماً به. المرافق مثل الماء والمأوى والمجتمع والقرب ليست مجرد وسائل راحة بل هي وسائل هندسية للبقاء. هذه اللحظة التاريخية ليست فريدة، لكنها تأتي بأهمية خاصة للمدن المبنية على افتراض الاستقرار الدائم. ربما أعمق درس في هذه الحرب ليس درساً استراتيجياً أو سياسياً، بل إنسانياً جوهرياً: أن مقياس المدينة لم يكن أفقها، بل صمودها، وأن الصمود لم يكن في مبانيها وبنيتها التحتية، بل في الناس الذين يعيشون بينها.