الرئيسية » مقالات / عمارة الذاكرة والعدل

عمارة الذاكرة والعدل

مصنف فى :مقالات
  • زيارات : 4 | تعليقات : 0
  • بتاريخ : 3 يوليو 2026

من ناحية الذائقة المعمارية، ربما لا يروق لي النمط المعماري لقصر العدل في مدينة الكويت. لكن لا يمكن إنكار أنه أضحى معلماً معمارياً يحمل ثقلاً في الذاكرة الجماعية ويشكل أحد مكونات الهوية المكانية للمدينة. وهنا أستحضر المعماري الإيطالي ألدو روسي (1931-1997) وفكرته عن “القطعة الأثرية الحضرية”.

 

فقد كتب روسي: “العمارة في المدينة تعني شيئين مختلفين: أولاً، المدينة كجسم ضخم من صنع الإنسان، عمل هندسي معقد ينمو مع الزمن؛ ثانياً، جوانب محدودة لكنها جوهرية من المدينة، هي القطع الأثرية الحضرية.”

 

ويقدم روسي مفهوم “القطعة الأثرية الحضرية”والتي تشمل مبانٍ ومساحات تبقى عبر الزمن لا لميزة وظيفية، بل لأنها تركّز المعنى الجماعي وتصبح آثاراً لا يُستغنى عنها؛ كالمساجد والأسواق والساحات العامة، وهي عناصر مقاومة، تنجو من التغير الديموغرافي والاقتصادي وحتى الدمار المادي لأنها مراكز للهوية الجماعية. تتيح للمجتمع أن يتذكر من هو ومن أين جاء. ومفهوم روسي عن “الموقع” الذي يركّز الذاكرة الجماعية له صدى خاص في الخليج؛ فالأسواق التاريخية في الكويت، والبرايح القديمة في البحرين، وأبراج قرى الساحل القطري، مواقع تُرمَّز فيها هوية المجتمع مادياً. وقد مثّل تدميرها خلال حقبة تحضّر عصر النفط، دماراً للذاكرة الجماعية وتفكيكاً للبنية التحتية للهوية.

 

ويمثل قصر العدل في الكويت حالة اختبار دقيقة لنا. فقد صممه المعماري الأسكتلندي السير باسل سبنس، وافتُتح عام 1986 ضمن سياسة الدولة في الستينيات والسبعينيات لترسيخ حداثة معمارية ذات طابع كويتي! ونظراً لحجمه وموقعه وقيمته التاريخية، تفاعل معه الكويتيون في ظروف مختلفة، وزُيّنت به العملة الوطنية، واستقبل عقوداً من الذاكرة القانونية للدولة، فأصبح مركزاً لهوية جماعية تتجاوز وظيفته العملية.

 

غير أن وزارة العدل أعلنت مؤخراً قرار هدمه، وهو قرار يتجاوز كونه قرار إداري، إذ يمثل تفكيكاً متعمداً لأحد المراسي المكانية القليلة التي تربط المؤسسة القضائية الحديثة بتاريخها التأسيسي. والأخطر أن القرار يأتي في غياب رأي تقني على أن المبنى آيل للسقوط، كما يخالف المادة 12 من الدستور التي تُلزم الدولة بصون التراث، والمادة 17 التي تحمي المال العام، إذ يُقدَّر أن هدم مبنى تُقارب قيمته الحالية خمسين مليون دينار كويتي، إهداراً مباشراً لأملاك الدولة.

ومن منظور التنمية الحضرية، يكرّس هدم قصر العدل “ثقافة الهدم”، التي تختزل معالجة تقادم المباني في استبدالها بدلاً من صيانتها الدورية، رغم أن كلفة الصيانة أقل بكثير من كلفة الهدم وإعادة البناء، ورغم أن الاستبدال يفرّغ الموقع من طبقاته التاريخية.

من جهة أخرى، إذا كانت وزارة العدل ترى أن المبنى لم يعد عملياً، أو مفيداً لعملياتها الحالية، فيمكنها طرحه للاستثمار، وعلى أن يقوم القطاع الخاص بدراسة إعادة تأهيله لاستخدامات أخرى، فمكن أن يصبح فندقاً او سوقاً أو مقراً لبنك أو حتى متحفاً او مكتبة عامة !

وقرار الهدم يأتي في سياق سلسة من عمليات الهدم والتي تنسحب حتماً على مبانٍ حداثية أخرى من الحقبة نفسها، من مطار الكويت الذي صممه كنزو تانغو إلى مبنى البنك المركزي الذي صممه آرني ياكوبسن، وكلها قطع أثرية حضرية معرضة للمصير ذاته ما لم تُعتمد سياسة وطنية صريحة لحماية التراث المعماري الحديث.

+ وسوم الموضوع :

إكتب تعليقك